فيما تُعاد هيكلة السياسة اللبنانية بعد إنفجار الرابع من آب وتحت ضغطٍ فرنسي أجبر القوى السياسية على الجلوس مجدداً على طاولة حوار في قصر الصنوبر، بالإضافة الى تكليف رئيس حكومة جديدة عوضاً عن حسان دياب، دعا رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع “حزب الله” الى المبادرة قائلاً: “آن الأوان كي تبادر إلى القرار الصعب ولكن الصائب بأن تضع نفسك في خدمة لبنان وشعبه وأمنه ومصالحه بدل أن تبقى في خدمة الجمهورية الإسلامية ومصالحها”.
اضاف جعجع بعد انتهاء قداس شهداء المقاومة اللبنانيّة السنوي الذي أقامه حزب “القوّات اللبنانيّة” في مقرّه العام في معراب, اليوم الأحد: “لا يمكن لحزب الله أن يستمر من دون أن يغير في توجهاته وسلوكه ومن دون أن ينظم علاقاته مع الدولة كأي حزب سياسي آخر وينخرط في مشروع إعادة بنائها”، متوجهاً بسؤال لـ حزب الله قائلاً: “الى أين تريد بعد أن يصل الوضع في لبنان؟ هل هناك بعد اسوأ مما نعيشه؟ هل تنتظر مجاعة كاملة؟ هل تنتظر أن يموت اللبنانيون كبارا وصغارا إما جوعا أو مرضا أو احتراقا وخنقا وسحلا في انفجارات غامضة”.
اتفاقا معراب ومارمخايل
وعن اتفاق مارمخايل الذي وقّع بين التيار الوطني الحر وحزب الله، قال جعجع: “إذا أردنا الذّهاب اعمق في الموضوع، هنالك كلمة سحريّة تختصر أسباب كلّ ما وصلنا إليه:” تفاهم مار مخايل” الذي طبعا مار مخايل براء منه تماما، أمّا التّفاهم بحدّ ذاته فصفقة بين حزبين على تأمين مصالحهما الحزبيّة الضّيّقة على حساب لبنان الوطن، لبنان الدّولة، لبنان السّيادة، وعلى حساب اللّبنانيين كشعب وتاريخ ومستقبل”.
وتطرّق جعجع إلى “اتفاق معراب”، قائلا: “طالما تطرّقنا إلى ” تفاهم مار مخايل” المشؤوم، سنتكلّم قليلا عن اتفاق معراب المطعون. إنّ اتفاق معراب، وبخلاف ما يظنه أو يدّعيه البعض، هو في منطلقاته الأوّليّة مصالحة وجدانيّة تاريخيّة أخلاقيّة، تطوي صفحة صراع مجتمعيّ مديد.
واستطرد جعجع: “أفتح هلالين صغيرين هنا لأقول: إنّ بعض الذين ينتقدون القوات ويتهجّمون عليها انطلاقا من اتّفاق معراب كانوا هم أنفسهم من هاجمنا وانتقدنا بسبب عدم التّصالح مع التّيّار الوطنيّ الحرّ قبلا، وهم أنفسهم من نادوا أنّ المصالحة بين القوات والتيّار هي مطلب عارم ، على المستويات الشّعبيّة والسّياسيّة والدّينيّة كافّة. إنّ هذا البعض سيستمرّ في التّهجّم على القوّات حتّى ولو أضاءت أصابعها العشرة، لسبب بسيط جدّا وهو أنّ هدفه هو مهاجمة القوات لأنّها القوات وليس لأنّها عقدت اتّفاق معراب أم لم تعقده، ولأنّ نفسه ظلماء. كلّ العداوات قد ترجى مودّتها إلا عداوة من عاداك من حسد”.
وأوضح أننا “أردنا من اتّفاق معراب بالإضافة إلى كونه مصالحة وجدانيّة أن يكون منطلقا لشراكة مسيحيّة إسلاميّة حقّة في السّلطة، وبالتّالي خطوة أوّليّة على طريق بناء دولة فعليّة ولكن، وللأسف، مكرّرة عشرات المرّات، تبيّن لاحقا أنّ الطّرف الآخر أراده مجرّد مصلحة سياسيّة آنيّة بحتة، وبعكس كلّ ما ورد في اتّفاق معراب. أردناه لبناء دولة المؤسّسات، وغيرنا أستعمله لبسط سلطة الميليشيات. أردناه لنرضي به طموح العماد ميشال عون الرئاسيّ منذ العام 1988، ونسدل السّتارة على هذه القّصّة لمرّة واحدة وأخيرة لنبدأ بعدها فصلا جديدا، وهم أرادوه ليعيدونا إلى العرض المسرحيّ ذاته من جديد ، فيوقفوا الزّمن والمستقبل والسّياسة والاقتصاد والحياة الوطنيّة برمّتها، ويرهنوها بانتظار تحقيق الطّموح الرّئاسيّ لمن هو بعد عون. وكأنّ مستقبل اللّبنانيين ولقمة عيشهم وحياتهم مسخّرة خدمة لمآرب وطموحات هؤلاء”.
وتابع: “لقد كان من المفترض باتفاق معراب أن يكون نقطة ارتكاز أساسيّة للعهد الرّئاسيّ الجديد وفق قواعد إصلاحيّة ووطنيّة واضحة، غير أنّ القيّمين على العهد سارعوا للتّخلّص من هذا الاتّفاق منذ اللّحظة الأولى، ظنّا منهم أنّهم بذلك يتحرّرون من أعباء الإصلاح ويتخلّصون من مشقّة التغيير، ويزيحون منافسا لهم، ولكن من دون أن يدروا أنّهم يحرمون بذلك أنفسهم من رافعة سياسيّة وشعبيّة وإصلاحيّة كان من الممكن لها إنقاذ العهد وتجنب وصول البلاد لاحقا إلى ما وصلت إليه”.
الانتخابات المبكرة
وأكّد أن “نقطة البداية في التّغيير ستكون في مجلس النّواب، وعلى اللّبنانييّن جميعا تقع مهمّة ومسؤوليّة إحداث هذا التّغيير عبر صناديق الاقتراع، وعدم إضاعة فرصة أخيرة متاحة لهم بعد شهور طالت أم قصرت لاختيار من يمثّلهم، ويكون الأجدر والأكفأ والأنظف والأجرأ والأشرف. لا سبيل إلى محاربة الفساد على يد من كانوا سببا وصنّاعا له. الأمر يتطلّب إعادة إنتاج سلطة جديدة، واستحداث نخبة سياسيّة جديدة، وتحويل الانتخابات المقبلة إلى ساحة اختبار للنّوايا والإرادات، وإلى منصّة للتّغيير، والمحاسبة والمساءلة”.
وأوضح جعجع، أن “انتفاضة 17 تشرين غيّرت في مسار الأحداث والذّهنيّات، لكنّها لن تؤتي ثمارها في الشّارع فقط، وستجنح إلى الفوضى والمراوحة والاستنزاف الذاتيّ، إذا لم تكن لها خارطة طريق واضحة توصلها إلى تحقيق أهدافها. هذه الانتفاضة كي تحقّق أهدافها، يجب أن تنتقل إلى صناديق الاقتراع، وعلى أرض الانتخابات، فتنبثق عنها أكثريّة نيابيّة جديدة معبّرة عن طموحات اللّبنانيين”.
ولفت الى ان “الانتخابات المبكرة من الطّبيعيّ أن تجري على أساس القانون الحاليّ النّافذ الذي تطلّب الكثير من الوقت والجهد. إنّ الدّاعين إلى قانون جديد للانتخابات، حتّى ولو صدرت الدّعوة عن حسن نيّة، يخدمون الذين لا يريدون الانتخابات أن تجرى، ولا للأكثريّة النّيابيّة أن تتغيّر”.
مبدأ الحياد
أما بالنسبة لمسألة الحياد التي طرحها غبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، فقد أكّد جعجع أن “بكركي بتحكي صح. لماذا؟ لأّن بكركي تحكي في المبادىء الوطنيّة والإنسانيّة الكبرى، وتحكي في المسلّمات والبديهيّات السّياديّة والدّستوريّة والميثاقيّة من دون أيّ مصالح أو غايات سياسيّة او انتخابيّة، ولأنّها دائما كانت صوت الحقّ والحقيقة والوجدان الوطنيّ، ولأنّها صانعة الكيان وذاكرة التاريخ اللّبناني”.
وقال: “لقد وجدنا صعوبة هائلة لمجرد تمرير قانون في مجلس النواب لتجريم العنف ضد المرأة، فكيف بالحري ستكون ردة الفعل إذا طرح تحويل الأحوال الشخصية كلها إلى مدنية، وعن أي دولة مدنية يتحدثون؟ ،وفي مطلق الأحوال، نحن منفتحون على أي نقاش وحوار يلبي تطلعات الرأي العام اللبناني”.

