روسيا البوتينية… من الركود السياسي إلى الاقتصادي

مصطفى فحص

بينما كان الكرملين يستعد لتنظيم استفتاء على التعديلات الدستورية في 22 أبريل المقبل، بعد نجاحه في الانقلاب على السلطة، أو انقلاب السلطة على النظام أو انقلاب النظام على النظام، من خلال عملية ترشيد الحكم عبر مجلس الدوما (البرلمان) وفي انتظار حكم المحكمة الدستورية للنظر في مستقبل بوتين السياسي، بين هذه الخطوات والإجراءات الشكلية، ظهرت معظلتان من دون أي تمهيد مسبق، ما يربك المشهد الروسي، المعضلة الأولى وبائية والثانية اقتصادية، وللاثنتين تأثيرات سلبية متعددة قصيرة وطويلة الأمد.

في بلد تنعدم فيه الشفافية، تصبح الأرقام الرسمية عن عدد المصابين بفيروس كورونا مشكوكا في صحتها. السلطات الروسية معنية بإظهار قدرتها على حصر تفشي الوباء أولا، إلا أنها تتخوف من تزايد الأعباء على نظامها الصحي العام المتراجع أصلا، إضافة إلى قلقها من فشل مؤسساتها الصحية باستيعاب الوباء وتداعياته، ومن جهة أخرى فإن شيخوخة المجتمع الروسي والنسبة الكبيرة في كبار السن قد تؤدي إلى ارتفاع نسبة الوفيات جرّاء الوباء.المأزق الأكبر فهو أن الاحتياطي الروسي من العملة الصعبة لا يتجاوز 150 مليار دولار

إقرأ أيضاً: «حزب الله» يحشد في مواجهة «كورونا».. والسيف يسبق «العزل» في الضاحية!

تعمل أجهزة الدولة للحد والسيطرة على تفشي الوباء، وهي تعتمد عدم الكشف عن الأرقام الحقيقية حتى لا تنعكس الأرقام المرتفعة والخوف من الانتشار على مشاركة المواطنين الروس في الاستفتاء على تعديل الدستوري بعد شهر من الآن، حيث يسود القلق من أن يُكرر الكرملين خطأ النظام الإيراني، الذي مارس صمتا كاملا حول أعداد المصابين بكورونا من أجل دفع الناس إلى المشاركة في الانتخابات التي اعتبرها استفتاءً على النظام، فتحول الأمر إلى كارثة إنسانية ستترك أثرها على الشعب والنظام في إيران.

أما اقتصاديا فإن قرار موسكو الخروج من اتفاقية “أوبك +” التي وقعتها مع الرياض من أجل خفض الإنتاج لحماية أسعار الخام من التراجع، تركت أثرها المباشر على السوق المالية الروسية، حيث انخفض سعر صرف الروبل أمام الدولار الأميركي ووصلت قيمة الدولار الواحد إلى 80 روبلا، بحيث عاد إلى المستويات التي كان عليها سنة 2016 إبان الأزمة المالية الروسية.

انخفاض سعر النفط مستمر. هناك توقع بأن يصل سعر برميل النفط الخام إلى ما دون 25 دولار للبرميل، والبعض يقول بأنه قد يلامس 20 دولارا في حال استمرت أزمة الأسعار التي باتت مرتبطة بانكماش الاقتصاد العالمي وتراجع الطلب على الطاقة نتيجة وباء كورونا، وهو ما سوف يقض مضاجع المنتجين الروس الذين يعانون من ارتفاع كلفة الإنتاج مقابل انخفاض سعر البيع. تجدر الإشارة إلى أن ميزانية موسكو بحاجة لئلا ينخفض سعر البرميل عن 45 دولار للحفاظ على توازنها، حيث تشكل موارد الطاقة من النفط والغاز المصدر الرئيسي للميزانية الروسية وللاقتصاد الذي يعاني أصلا انكماشا منذ ثلاث سنوات.

قرار الكرملين الدخول في كباش اقتصادي سياسي مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، روجت له موسكو على أنه جاء لوضع حد لتأثير النفط الصخري الأميركي في الأسواق العالمية، حيث يسود الاعتقاد أن الإنتاج الصخري سيعاني من انخفاض السعر دون 60 دولار، وهو ما قد يؤثر على الاقتصاد الأميركي، وفي هذا الصدد يقول المتحدث باسم عملاق النفط الروسي شركة “روسنفط ميخائيل ليونتيف إن “صفقة “أوبك+” كانت “بلا معنى” لروسيا، حيث أن الصفقة كانت تساهم في تراجع حصة روسيا في أسواق النفط لصالح النفط الصخري الأميركي”.

الرهان الروسي على تأثير انخفاض الأسعار على الميزانية الفدرالية الأميركية ليس في محله، ففي تقرير لمركز كارنيغي صدر هذا الأسبوع، يتوقع “أنه سوف تتغلب الولايات المتحدة بسهولة على انخفاض إنتاج النفط، حيث تمثل صناعة النفط والغاز ما يقرب من 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة”.يبدو أن روسيا على أبواب ركود اقتصادي طويل، يعيد إلى أذهان الروس مرحلة الركود البرجينيفي

أما المملكة العربية السعودية، التي ـ كما روسيا ـ تعتمد في ميزانيتها على بيع النفط، فإنها قادرة على تعويض النقص في ميزانيتها عبر قروض يتم تسهيلها من الولايات المتحدة لو احتاجت، إضافة إلى استخدام الفائض الكبير الذي تمتلكه، فحتى الآن تسيطر الرياض على سعر صرف عملتها، وهي تستفيد اقتصاديا وماليا من الفارق الكبير بين كلفة إنتاج البرميل في السعودية والتي تتراوح ما بين دولارا واحدا إلى سبعة دولارات، يضاف إليها الفارق في المساحة والتعداد السكاني والمناخي بينها وبين روسيا، حيث يبلغ عدد سكان المملكة 33 مليون نسمة بينما في روسيا 146 مليونا.

أما المأزق الأكبر فهو أن الاحتياطي الروسي من العملة الصعبة لا يتجاوز 150 مليار دولار الأمر الذي سيحد من حجم تدخل البنك المركزي في الأسواق المالية ودعم الروبل، فيما العملة السعودية أكثر استقرارا وهي تملك احتياطا ماليا يتجاوز 500 مليار دولار ومدعومة بتحالف اقتصادي مع الولايات المتحدة وقادرة على الصمود بوجه الأزمة.

كان من المفترض أن تدخل روسيا ما بعد 22 أبريل مرحلة ركود سياسي طويل، ولكن بعد الأزمة التي افتعلتها موسكو مع منظمة أوبك، يبدو أن روسيا على أبواب ركود اقتصادي طويل، يعيد إلى أذهان الروس مرحلة الركود البرجينيفي.

السابق
أين نصرالله من تفاهم خامنئي ترامب؟
التالي
بالفيديو: حريق في مسلسل مصري يتنبأ بنهاية الكون بعد 100 عام