يبدو أنه رغم الخطابية الحماسية اختارت الزعامة الايرانية تخفيض مستوى المخاطرة وحرصت، من خلال اطلاق محدود للصواريخ على قاعدتين امريكيتين في العراق (دون أن توقع خسائر في الارواح) نقل رسالة تقول انه ليس في نية النظام ان يقترب حاليا من شفا الهاوية. وبالفعل، وان كان يدور الحديث عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بان نظام آيات الله على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، وبالتالي فانه يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبث تصميما والتزاما بالرد على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقه سليمان، وبين تطلعه في نفس الوقت لمنع ترامب من أن يرد ردا عسكريا واسعا وأليما، من شأنه أن يقوض تماما قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.
إقرأ أيضاً: إغتيال سليماني «يكسر ضلع» نصرالله!
نقطة التوازن التي اختيرت ليلة أول أمس تشير الى كبح الجماح وليس الى تحطيم واسع لكل قواعد اللعب. رغم أن النار على القوات الامريكية كانت سابقة ومثابة تجاوز واضح لخط احمر (إذ ان في الماضي كان من يدور في فلك ايران هم من يهاجمون اهدافا امريكية) الا انه ركز على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزها.
من هذه الناحية، يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني وبين الهجوم الايراني بالصواريخ. وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا نار صاروخية. ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية، عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة للحكم الايراني، واضح ايضا الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الرد، وصب معان بعيدة الاثر فيه.
ومع ذلك، يمكن عمليا أن يشير الى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي وبين البعد السلوكي، الذي يشهد على حساسية ايرانية للثمن المتوقع على رد مغامر وعديم الثبات من جهته. وبالفعل، في المرحلة الحالية على الاقل، امامنا استخدام لقوة ايرانية شديدة، ولكن بمقياس متدنٍ نسبيا، وفي داخل نطاق محدد، يدل على أن استراتيجية “عقلانية غير العقلاني” من مصنع ترامب فعلت حتى الان فعلها. إذ أن لاستعداد الرئيس الامريكي المثبت لتجاوز حافة المسلم به والعمل “من خارج العلبة” يوجد، اغلب الظن، أثر لاجم لا بأس به على الخصم الايراني، الذي يقف امام تهديد امريكي ملموس ومصداق برد مكثف اذا ما واظب على سلوكه الاستفزازي. في هذا السياق استهدفت تصريحات ترامب امس (التي تضمنت بيانا عن فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية) تبديد هوامش الغموض التي كانت لا تزال متبقية في التفكير الايراني، وبالتالي منح اسناد بالقوة للعملية التي نفذت.
ومع ذلك، يفهم من تصريح الرئيس ايضا بانه فضلا عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، من ناحية الولايات المتحدة لا توجد نية لرفع المواجهة الى مستوى عسكري أعلى. إذ ان تصريحه تضمن ايضا اقوالا متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الايراني ومع قيادته اذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف.
كما أنه لا ينبغي ان نتجاهل الاثار الكفيلة بان تكون للعملية الايرانية على مستوى كوريا الشمالية. وذلك لان صورة القائد الذي لا يتردد في استخدام القوة الشديدة كي ينقل رسالة تصميم امريكي حيال سلوك ضار واستفزازي تكوي وعي بيونغ يانغ ايضا ومن غير المستبعد ان تحمل كيم يونغ اون الى اعادة تقدير خططه في المجال النووي والصاروخي.

