في شهر مارس الماضي بحثنا في الأزمة السورية , وكان من المنطقي القول إن اختبار رجل الدولة الدبلوماسي في مثل هذه التحولات العنيفة يكمن في تحديد النتائج الأقل سوءا , وفي اختيار جملة مناسبة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والقسرية لحل قضية محددة. وقلنا إن توفير المساعدة الإنسانية والقاتلة لقوى المعارضة يساعد على إرسال إشارة إلى مؤيدي النظام , ويساعد في توفير فرص متكافئة.
إن هدف واضعي السياسات الذي ينبغي أن يتم التفاوض بشأنه دوليا وينبغي أن تتم مراقبته دوليا لا بد أن يكون اسقاط الأسد, مع الحفاظ على وحدة البلاد واستمرارية مؤسسات الدولة الأساسية.
هذه الأحكام تبقى سارية المفعول. لكن الأهداف انحسرت ضمن المسافة. فخطط الجولة الثانية من المحادثات برعاية الأمم المتحدة والتي تدعمها الولايات المتحدة و روسيا في جنيف معلقة, رغم أن الهدف من مؤتمر جنيف الثاني كان التأكيد فقط على خطة طريق زعماء مجموعة الثماني. فماذا حدث منذ مارس?
الرئيس السوري بشار الأسد وأصدقاؤه استغلوا تفوقهم في السلاح والخدمات اللوجستية المتماسكة لتحقيق مكاسب على حساب سوء التنظيم لدى جماعات المعارضة وافتقارها إلى المعدات الكافية , واسترجعوا بعض مكاسب التمرد ما يهدد بتعزيز موقف النظام الستراتيجي بشنه حرب استنزاف طويلة وطاحنة. وبالاستناد الى علاقاتهم العسكرية والدبلوماسية بدمشق , قام الروس بتعديل وضع جيش النظام عما كان عليه سابقا في الوقت الذي يتحدثون فيه عن محادثات سلام. في موازاة ذلك, أطلقت إيران عملاءها جماعة “حزب الله” التي انضمت رسميا وعلنا الى صفوف حملة الأسد الوحشية.
وأخيراً من خلال اتخاذها قراراً بتوفير وتقديم المساعدة العسكرية المباشرة للمعارضة, اقتنعت إدارة أوباما بنفسها أو – على الأقل, تحاول أن تظهر وكأنها تقوم بما يريده منها حلفاؤها وشركاؤها والنقاد داخل الولايات المتحدة. الفروق دقيقة في قرارات السياسة الخارجية للإدارة, وهي تثير عددا من الأسئلة: هل نحن نعود مرة أخرى الى خطوات أكثر قوة (الملاذات الآمنة, ومناطق حظر الطيران, والأسلحة المضادة للدبابات لان المتمردين المفضلين لدينا ليسوا مستعدين بعد للتنافس مع الجهاديين, كما أوحى ديفيد اغناطيوس في صحيفة واشنطن بوست? أو لأننا نحاول أن نحشر الروس عن طريق رفع الأسهم تدريجيا في إشارة إلى أننا يمكن أن نفعل الكثير أكثر من ذلك?
هل نبذل جهدا جادا للإشارة إلى مقدار ما سيتبقى من جهاز الدولة القائم في صفقة انتقالية, أم أننا نترك هذه المسألة ذات الأهمية الحاسمة لتحالف المتمردين المنقسمين? هل نستخدم علاقاتنا الواسعة مع جيران سورية من العرب والأتراك لتبني ستراتيجية موحدة? نحن نستكشف قضايا المرحلة الانتقالية الصعبة مع الروس عبر القنوات الدبلوماسية, أو نحصر أنفسنا في ذلك النوع من التصريحات العلنية التي أدلينا بها في اجتماع مجموعة ال 8 في ايرلندا الشمالية منذ بضعة أيام?
جاء بيان مجموعة الثماني بلغة تضمنت بعض التركيبات المثيرة للاهتمام: “يجب الحفاظ على الخدمات العامة “في سورية” أو استعادتها. وهذا يشمل القوات العسكرية والأجهزة الأمنية. يجب على جميع المؤسسات الحكومية ومكاتب الدولة العمل وفق معايير الحقوق المهنية والإنسانية, تحت القيادة العليا التي تلهم الثقة العامة, تحت سيطرة الهيئة الإدارية الانتقالية. “في إشارة مباشرة إلى المخاطر التي تمر بها سورية في مرحلة انتقالية يمكن ان يختطفها السنة الجهاديون, وهذه النقطة تتفق عليها روسيا والدول الغربية.
واستطرد البيان: سندعم خطة الأمم المتحدة للمرحلة الانتقالية في سورية بالنسبة للاصلاح واحتياجات إعادة الإعمار, ولا سيما الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية, والمساعدة على ضمان فعالية قوات الأمن وخضوعها للمساءلة وقدرتها على التعامل مع تهديدات الإرهاب والتطرف”.
ومع ذلك, فإن الخطر الحقيقي يكمن في انهيار سورية قبل أن يكون لهذه الجهود الدبلوماسية والعسكرية الهادفة للضغط من أعلى إلى أسفل وصولا الى اتفاق تفاوضي- أي أثر حقيقي. يحتاج هذا الصراع إلى استخدام كل الأدوات المتاحة عسكريا وسياسيا في إطار صفقة أو اتفاق . والصفقة يجب أن تفي بالحد الأدنى من متطلبات السوريين , والجيران, والقوى الخارجية الرئيسية. جاء في البيان آنف الذكر أيضا : “سورية يجب أن تكون لجميع السوريين, بما في ذلك الأقليات والجماعات الدينية.” إن صفقة مقبولة لن تأتي بالعمل الدبلوماسي وحده, ولن تأتي بالعمل العسكري وإمدادات الأسلحة وحدها . بل ستكون هناك حاجة الى الاثنين على حد سواء. قبل كل شيء, وتتطلب الإدارة تدريبا عمليا على مدار الساعة لجهاز سياسي متكامل يتمتع بالتزام رئاسي محدد.
يجب أن يتذكر النقاد الذين يشعرون بالقلق من ان واشنطن تقوم الآن بتوسيع الحرب في بلد عربي آخر أننا لسنا من يدول هذا الصراع, بل رعاة الأسد وعدد من جيران سورية بقيادات سنية هم من فعلوا . الولايات المتحدة من خلال إرسالها الآن إشارات بدعم محدود, وعمل ملموس, فان هذه الحرب بالوكالة التي تم تدويلها بالفعل تتمتع الآن بدرجة من التوازن أكبر قليلا. النقاد الذين يقولون إنه علينا أن نذهب “بكل ثقلنا” لنصرة المتمردين يتجاهلون مخاطر المستنقع الطائفي في سورية. نحن لا نريد ملكية مباشرة لمصير سورية.
هناك أسباب مهمة تفسر لماذا تعتبر صفقة انتقال السلطة تفاوضيا الخيار الأقل سوءا:
- قد تكون السبيل الوحيد لكبح نفوذ الجهادية في سورية في المستقبل
- يمكن أن توفر الأساس المناسب لنظام دستوري في المستقبل
- قد تكون السبيل الوحيد لإزاحة الأسد وزمرته من السلطة
- قد تكون أفضل وسيلة لكسر تحالف الأسد الشخصي مع الايرانيين ومع الروس والحصول على دعم الامم المتحدة.
ظاهريا, نحن نقف الى جانب تحالف إقليمي يهيمن عليه السنة ضد المحور الشيعي الممتد من طهران الى بيروت. ولكن نأمل أن يكون بوسعنا القيام بما هو أفضل من مجرد صب الزيت على نيران الطائفية. والمفارقة أن هذا من شأنه أن يعكس أثر ما قمنا به من أعمال منذ عشرة أعوام حين عملنا على إسقاط نظام الأقلية السنية بقيادة صدام حسين, وسلمنا ملالي إيران هدية ستراتيجية في هيمنة الشيعة على بغداد.
في النهاية , هذا الاتساق ليس هو الهدف. بل ان الهدف الحقيقي هو الحاجة الى وقف تلك الديناميكية الطائفية المتفجرة التي يمكن أن تثير مخاطر في الشرق الأوسط هي الأعلى مستوى منذ سنوات. وإذا فشلنا في القيام بذلك في سورية, فان هذا المنعطف سوف يكون أسوأ حلقة من حلقات السياسة الأميركية في مرحلة الصحوة العربية.

