– في سياق استعراض الإمام السيد محسن الأمين (قدس سره) القضاء والإفتاء في جبل عامل قال: [مرجع القضاء والفتوى الحقيقي في جميع أدوار جبل عامل هم العلماء المجتهدون العدول، سواء في ذلك زمن قضاته الشيعة والمفتين الرسميين في العهد الإقطاعي، وفي زمن امتياز لبنان القديم وفي عهد قضاة الأتراك الأحناف، وفي عهد الاحتلال الإفرنسي. فجميع القضاءة والمفتين المعينين من قبل الحكّام ليس لهم من القضاء والفتوى إلا الاسم إذا لم يكونوا مجتهدين عدولاً، لأن الشيعة الإمامية الجعفرية تعتقد، حسبما رسمه لها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن منصبي الفتوى والقضاء مختصان بالفقهاء المجتهدين الثقات العدول القادرين على استنباط الأحكام الشرعية] “خطط جبل عامل”، صفحة 113، كما نقل النص الشيخ إبراهيم سليمان في “بلدان جبل عامل”، والشيخ محمد تقي الفقيه في “جبل عامل في التاريخ”.
– وأما العلامة الشيخ محمد جواد مغنية (قدس سره) فيقول في تجاربه: [فإن لعلماء الشيعة تقليداً ورثوه جيلا بعد جيل، وهو أن ابن العلم والدين ينبغي له أن يبتعد عن كل منصب يسند إليه بمرسوم أو إذن من الدولة، سواء أكان المنصب قضاء أو إفتاء أو رئاسة مجلس ملي، ومن يتولى شيئا من ذلك نظروا إليه بعين الاستخفاف.
عرضت رئاسة المحكمة الجعفرية بلبنان على الكبار من علماء الشيعة فاستنكفوا عنها، وقبلها شيوخ من الدرجة الثانية أو الثالثة] “تجارب محمد جواد مغنية” صفحة 118-119.
– في مورد ذكره للإفتاء والقضاء عند الشيعة يقول المرجع الديني الشيخ محمد تقي الفقيه: [وكان الشيعة في العصور السابقة ولا يزالون يرجعون إلى علمائهم في القضاء والإفتاء، ويعتبرون ذلك جزءا من أحكام المذاهب، سواء رضي الحكام بذلك أم لم يرضوا، وكانوا ولا يزالون يبتعدون عن علماء الدين الذين تختارهم السلطة للقيام بهذه الصلاحيات، لأن الذين تختارهم السلطة عادة لا يستجمعون شرائط القاضي، والمفتي، والذين يستجمعون الشرائط لا تقبلهم السلطة، لأنهم لا يسايروهم، وسواد الشيعة يرجعون في خصوماتهم إلى العلماء المجتهدين غير المنضوين من قبل الحكام، وهؤلاء العلماء لا يملكون سلطة التنفيذ..] “جبل عامل في التاريخ” صفحة 52.
ذكرت هذه النصوص كمدخل لحديثنا عن واقع القضاة والمفتين، والعلماء الذين يتولون شؤون المؤسسات الدينية الشيعية الرسمية قاطبة.. ولا أسترسل بالكلام فـ”النبيه” تكفيه الإشارة.
لم يكن تولي الوظائف في السلطة الرسمية موضع ترحيب أهل الحوزة العلمية.
علما أن مسلك سلف “القضاة والمفتين الرسميين” كان صالحا.. فما بالكم إذا أردنا أن نجري مقارنة بين الذهنية الشيعية الحوزوية التقليدية، وواقعنا الراهن؟! على الرغم من أن علماءنا كانوا يتحلون بالتقوى والورع، ناهيك عن مستواهم العلمي الرفيع..
دققوا في قول الإمام السيد محسن الأمين: [بعد الحرب العامة الأولى عُيّن من الشيعة في جبل عامل مفتون نصيبهم من الفتوى قبض المعاش، في صور ومرجعيون ثم في صيدا، كما عُيّن منهم في بعلبك والهرمل] “خطط جبل عامل” صفحة 113.
هذا هو الواقع القديم “نصيبهم من الفتوى قبض المعاش” فكيف صار اليوم؟! كان العلماء قديما على درجة عالية من العلم والتدين والصلاح؛ وأمّا اليوم فأنتم أكثر مقدرة مني على تشخيص واقعهم، كونهم يحجون إليكم، ويقفون على “أبوابكم”، ويسعون بين “أبواب أبوابكم”، متوسلين عطاياكم المادية والمعنوية، مستجدين المناصب والمواقع..
هذه إشارة عابرة، نتمنى أن تكون موضع عنايتكم، وإني على يقين بأن العلماء الذين خبرتمونهم وعرفتمونهم يختلفون تماما عن الذين “تتفاعلون” معهم في وقتنا الراهن، ولذا لا ينبغي أن أستفيض أكثر..
وأترك لكم تحديد الصفة التي ترغبون أن يدونها “التاريخ” عن مستوى العلماء في عصركم، وفي ظل “حقبتكم”!

