اذا ظلّت المواقف متباعدة إزاء ما يجب ان تكون عليه الحكومة الجديدة، فإنّ المؤكد هو انّ عمر حكومة تصريف الاعمال سيطول الى أمد غير معلوم، خصوصاً انّ بعض هذه المواقف يستبطن رغبة بتأخير هذا الاستحقاق الحكومي، في انتظار ما ستؤول اليه الأزمة السورية.
بدو أنّ هذا التباعد بين المواقف السياسية دَفع برئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى تأخير الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية مَن سيكلفه تأليف الحكومة الجديدة حتى يوم الجمعة المقبل، بعدما كان متوقعاً ان يجريها الثلثاء لو أن الافرقاء استجابوا رغبته ورئيس مجلس النواب نبيه بري عقد جلسة حوار أمس الأول تُخَصّص فقط للبحث في تهيئة الاجواء الملائمة لتأليف الحكومة والبَتّ بمصير الانتخابات النيابية التي سيقفل باب الترشيحات اليها على اساس قانون الستين في التاسع من نيسان المقبل.
فريق 8 آذار كان ولا يزال يعتبر أن هذا القانون ميت ولا يمكن إجراء الانتخابات النيابية على اساسه، في حين أن فريق 14 آذار يعتبر انّ هذا القانون يصبح ميتاً بعد 9 نيسان المقبل لدى انتهاء فترة الترشيحات التي لم يقدم منها سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة حتى الآن.
لكنّ الاهتمامات على جبهتي 8 و14 آذار تتركز على طبيعة الحكومة العتيدة، فهل تكون حكومة انتقالية تتولى إقرار قانون انتخابي واجراء الانتخابات على أساسها؟ أم تكون حكومة انقاذ او "وحدة وطنية"؟.
وفي هذا الصدد تشير المعلومات الى أن الاتصالات الجارية في مختلف الاتجاهات لم تحسم بعد أيّ خيار من هذين الخيارين، ولكنّ الأجواء السائدة تصبّ في مصلحة حكومة للانتخابات حيناً، وفي مصلحة "حكومة الإنقاذ" حيناً آخر.
على أنّ فريق 14 آذار يتجه في الموقف الى طرح خيار حكومة تكنوقراط تدير مرحلة انتقالية تجري خلالها الانتخابات النيابية التي يتم تأجيلها تقنياً لأشهر، الى حين الاتفاق على قانون انتخابي وإنجاز التحضيرات التقنية واللوجستية لها.
وحجّة هذا الفريق بالتمَسّك بإنجاز الاستحقاق النيابي هي أنه لا يجوز للبنان، السَبّاق بين كل دول المنطقة بتجربته الديموقراطية، ان يؤجّل هذا الاستحقاق في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة ثورات هدفها تحقيق الديموقراطية في هذه الدولة أو تلك.
وعلى رغم ذلك، فإنّ احد نوّاب هذا الفريق يؤكد أنّ قوى 14 آذار، التي تعطي الاولوية لتأليف حكومة تكنوقراط وإجراء الانتخابات، لن تمانع في تأليف "حكومة إنقاذ" اذا تعذر إجراء الانتخابات وتَقرّر تمديد ولاية مجلس النواب تلافياً للفراغ في السلطة التشريعية.
وغالب الظن أنّ الاتفاق على قانون الانتخاب العتيد متعذر في هذه المرحلة، بدليل انّ النائب الآذاري نفسه يؤكد أن أيّ مشروع قانون انتخابي مختلط لن ينال موافقة الأكثرية النيابية، فقوى 14 آذار لم تؤيد مشروع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يقضي بالمناصفة في اعتماد النظامين النسبي والاكثري. وفي المقابل يقول احد نوّاب قوى 8 آذار أنها وحليفها "التيار الوطني الحر" لن تقبل بالمشاريع المختلطة التي طرحتها قوى 14 آذار او التي يمكن أن تطرحها.
والى كل هذه المعطيات، هناك معطى أساسي يتوقف عليه مصير الانتخابات، وكذلك بقية الاستحقاقات الماثلة او المقبلة، ويتمثّل بما سيكون عليه موقف رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، الذي ستتكوّن الأكثرية النيابية في الضفة التي يميل اليها، الأمر الذي يجعل من الجميع أشبَه بـ"لاجئين حكوميين" عنده (على حدّ قول احد نوّاب 14 آذار)، بمعنى ان موقفه هو الذي سيحدد مصير الاستحقاق الحكومي، بإنجازه سريعاً، او تأخره لأشهر، وربما لسنة. ولذلك، فإنّ الجميع ينتظرون هذا الموقف الجنبلاطي حتى يَبني كلّ فريق على الشيء مقتضاه.

