جلس بجانبي في حلقة بشرية من عدة أفراد وكنت الأقرب إلى لسانه وكان الأقرب إلى أذني، وراح يحلل الوضع السياسي تشريقا وتغريبا وتشميلا وتجنيبا، ولكي يكون لحديثه أهمية ومصداقية ورنين في الآذان وجرس في القلوب، فلابد له أن يسطر في أذهان السامعين وآذانهم معلومات هامة عنه ويقدم نفسه على أنه فوق علية القوم وأصحاب القرار وأنه الجريء والبطل المغوار الذي لا يشق له ثوب ولا غبار ولا تتعثر به بغلة ولا حمار، وأن أصحاب القرار في السياسة العالمية «مايشكون خيط بإبرة» إلا بعد أن يستشيروه ويقدم لهم النصح الإلزامي الذي إن لم يأخذوا به فستضحي «كوبا» في حي الشيخ عثمان في عدن وستكون «بوركينا فاسو» إحدى ضواحي بيروت الجنوبية!
فهو الذي استدعاه الأميركان ليسألوه رأيه في كيفية معالجة «ثقب الأوزون» وما الذي يتعين على «بريمر» فعله بعد سقوط صنم بغداد وكيف سيكون الوضع السياسي في الكويت بعد أن بلغ سعر «الزبيدي» ـ السمك ـ عشرة دنانير، و«الزبيدي» ـ الفقع ـ خمسة عشر دينارا غير قابل للتفاوض والنقض!
وهو الذي قال للأميركان توقفوا عن شرب البيرة صباحا و«اشربوا قازوزة»، وهو الذي قال لهم لا تكثروا من أكل لحم الخنزير ولا تقربوا صلاتكم وأنتم سكارى، وهو الذي قال «لعين الشمس ما تحماشي لحسن حبيب قلبه صابح ماشي»!
كنت أعرف أنه دعيٌّ مخبول عاشق للتواجد في الأفراح والأتراح وحيث لا لزوم له، يهش في وجوه علية القوم ويبش، وينش عنهم غبار الزمن، ويرش عليهم «تحليلاته»، يتكفل باستقبالهم وتوديعهم وتحليلهم في مختبره السياسي العالمي الخاص وتوصيل النتائج إلى منازلهم.
كنت أعرف هذا وما كنت أعرف أنه على هذه الدرجة من الخبل بحيث يطرح كمستشار السياسة العالمية وهو الذي بالكاد يعرف كيفية شراء «النخي والباجلا» بعد تلقي النصائح من زوجته حول طريقة الشراء المثلى حتى لا يقع في فخ البائع فيزيد له الماء على حساب «النخي»، ورغم هذا فهو لا «ينخّ» ويرسل لسانه يلوك في آذان المساكين من أمثالي ومن لف لفي من «المقاريد».

