هل قرأتم رواية «فرانكشتاين»؟ قصّة الشاب الذي راح يجمع أعضاء وشرايين وعظاماً من المقابر ليصنع منها إنساناً. تقول الرواية إنه بشكل ما، جعل تلك الجثة تتحرّك كأيّ إنسان حيّ. إنّها مجرّد رواية ولا لزوم لأنّ يسأل أحد كيف وضع الروح فيها. اللزوم هو أن نرى فيها العبرة، لمن يعتبر.
تلك الجثّة المجموعة من بقايا المقابر صارت مارداً ضخماً يتحرّك؟ أطلق صانعها عليها اسم فرانكشتاين، لكن فرانكشتاين هذا راح يدمّر ويقتل كل ما ـ ومن ـ يعترض طريقه، حتى أنّه قتل صانعه. تذكّرت هذه الرواية وأنا أستمع إلى خبر محاولة اغتيال الوزير فيصل كرامي في طرابلس.
من الأكيد أن فيصل كرامي ليس من صَنع فرانكشتاين، ولكنّ الدور سوف يلحق الصانع مهما طال الزمن، ففرانكشتاين حقود لا يعرف الرحمة ولا الصفح، ولا يحفظ لصانعه فضل أنّه أوجده. قصة صنع فرانكشتاين في طرابلس والشمال اللبناني تعود إلى أكثر من عشر أو خمس عشرة سنة. يوم تمدّد الأصوليون والسلفيون والوهابيون والجهاديون وأنصار الدين وكلّ من حمل تسميات مشابهة، وكما نقول في الأمثال: كل من التحف الغطاء ولو لم يكن منهم. ومن الأكيد الأكيد أنّ هناك عناصر مؤمنة طيبة وطاهرة، استُجرّت تحت شعارات وهمية تداعب أحاسيس المؤمن إلى ما لا علاقة له بالدين والعبادة.
من أحداث الضنية التي قالوا يومذاك أنّها فاجأت الدوائر الأمنية، وهذا غير صحيح، لأنّ الرجوع إلى المعلومات ووسائل الإعلام وما كان يتداوله رجال الأمن إضافة إلى أشاوس النضال حتى نقطة الدم الأخيرة من دمائهم وليس من دمائنا، كلّها تشير إلى من أراد أن يتعلم ويتّعظ «أنّ العاصفة آتية»، وأنّ فرانكشتاين الذي صنعتموه سيبدأ بمن تعتبرونه عدوّاً لكم، لكنه في النهاية سوف يلتفّ عليكم. فهو لا يعرف صانعه ولا يدين له بفضل.
لو تركنا قصة فرانكشتاين وأخذنا الأمور كوقائع لبنانية كما هي، فما الذي حدث في الشمال كلّه لا في طرابلس فحسب؟ هل كانت الدوائر الأمنية غافلة حقاً عمّا يحدث من تسلّح وتدريب وتجمّعات؟ أجزم بكلمة «كلا». لم تكن غافلة، ولكن صانعي فرانكشتاين كانوا يصرخون مناصرين عمليات التسلّح والتدريب بمختلف عبارات اللؤم والتآمر. سقط في أحداث الضنية شهداء كثر من بينهم عدد من خيرة ضباط الجيش اللبناني، وتمّت لفلفة القضية بوساطات ليس بينها وساطة خير بل وساطات سياسية لكسب أولئك المتأسلمين، في أيّ انتخابات أو لأيّ حشود يتمّ نقلها بالبوسطات إلى بيروت حسب ما يتطلبه الموقف السياسي للضغط والابتزاز.
جاءت بعدها بسنوات مشكلة نهر البارد بعد أن ذُبح عدد من الجنود كنعاج كانوا في مهجعهم نائمين. أصحاب الذاكرة يتذكّرون التفاصيل وكيف انتهت أو أُنهيت تلك المشكلة بتهريب قائد المجموعة. كيف تمّ تهريبه؟ هل نزلت ملائكة من السماء تتولّى أمر تهريبه وإنقاذه؟ أم أنّ سياسيين ونافذين وأصحاب مصالح كانوا وراء تلك العملية؟
وجاءت بعد ذلك مسألة، أو ذريعة النازحين السوريين، وارتفعت أصوات لبنانية مخلصة تحذّر من تسرّب المسلّحين السوريين من أشاوس المعارضة إلى الداخل اللبناني وتميّز بين نازح ومسلّح، ولكن صرخات الوطنجية جدّاً من أشاوس الحرّية والإنسانية، كانت أقوى ونفوذهم أكثر فعالية، حتى امتلأت طرابلس بالمسلحّين وتدفقت شحنات السلاح بالسفينة التي لم تنشر تفاصيل التحقيق فيها حتى الآن، إلى غيرها من السفن التي لم يُعلن عنها. امتلأت طرابلس بالسلاح، والمدينة الهادئة الوادعة تاريخياً واجتماعياً، التي كانت رمز الوحدة الوطنية والتآخي، صارت وكر تسلّح وتدريب وشحن مذهبي.. لماذا؟ لنرجع إلى تصريحات أعلنت لا إلى كلام في المخبوء وخلف الأبواب، لنر ونسمع كيف كان التجييش ضدّ مواطنين لبنانيين فقط لأنّهم من طائفة «العلويين» في طرابلس، وضد من أطلقوا عليهم اسم «أتباع سورية وأذنابها» فقط لأنّ أذناب سورية حذّروا من بطش فرانكشتاين وتخريبه ولكن: لقد أسمعت لو ناديت حياً. واستمر التجييش ضدّ حزب الله «الشيعي» ولم يتوقّف إلا بسلاح سنّي يجرى الإعداد له… هذا كلام نُشر وقيل وسمعه مئات ألوف اللبنانيين. فلماذا لم تتحرّك القوى الأمنية؟ الواقع أنّها أرادت أن تتحرّك، غير أنّ ضغوط الأشاوس كانت أعلى، وصراخهم كان أقوى. ثم يتشدّقون بأنهم مع الدولة، فأيّ دولة تريدون؟
لعمر كرامي أن يسامح ويعفو عمّن أراد قتل ابنه، ولكن لا بدّ من كلمة أرجو أن يسمعها السيد كرامي الأب. من حاول قتل نجلك اليوم سيحاول في وقت قريب قتل صانعه، لأنّه هكذا صُنع، ليقتل، والمثل الشعبيّ لا يكذب حين يقول: «طبّاخ السمّ يموت بما طبخ».

