يحب البعض أن يقولوا أنهم كانوا أشقياء في طفولتهم فهذا يعني أنهم تقلبوا في حياتهم في أدوار عدة، وأن في حياتهم ما يدهش ويثير، فهي لم تكن على سوية واحدة، وهي لم تكن رتيبة ولا متساوقة. كأني بهذا البعض يريد أن يوحي بأنه نشأ مغامراً، لكن الذين يتحدثون عن طفولة شقية وهم في تمام قيافتهم واتزانهم يغفلون عن أنهم استنفذوا مغامرتهم في طفولتهم، وأنها مهما كانت لا تستحق أن تجازى بكل هذا التعقل والاتزان. كأني بهؤلاء يريدون أن يقولوا إنهم عاشوا حقاً حين كانوا غافلين عن الحياة، وأنهم يشهدون على ذلك بعد أن ضيّعوها أو حوّلوها إلى إسمنت وحديد.
لم أكن شقياً في طفولتي لا لأنني نشأت متزناً وحكيماً. رغم أن والدتي أرادتني وأنا في التاسعة أن أكون رجلاً صغيراً، ورغم أن أبي نزولاً عند رأي أمي كان يصحبني في مجالسه مع أصدقائه. لم أكن شقياً لأن الشقاوة تتطلب شجاعة لم تتهيأ لي، فقد كنت خوافاً وكان أكثر من أخافهم من الأطفال، لذا اخترت لصحبتي أشدهم تعقلاً وخوفاً. كنت مع هؤلاء نجوب المدينة أو نجوب القرية، لا نستقر طويلاً في مكان واحد، وسرعان ما نقفز إلى مكان آخر. إن كان لي أن أجد دافعاً لذلك لن أجد سوى القلق. نعم كنا صبية قلقين، بل كنا قلقين ونحن صبية. والقلق قد يخرج صاحبه إلى العنف، لكنه في حالنا أخرجنا إلى حال من التجنّب والمحايدة، فكنا أطفالاً غير تامي الطفولة، إذ خالطها شيء من تقليد الكبار وشيء من الاتّسام بسمتهم. كنا مثلهم نقرأ ونستمد من قراءاتنا لغة وأحاسيس ليست كاملة الطفولية. وإذا كان لي التكلم عن نفسي قلت أنني كنت في أحيان كثيرة ألاعب نفسي. أتعمشق على الحيطان والأشجار وأقضي أحياناً ساعات وأنا أتفرغ هكذا من شحنة لم أعرف في حينها أنها القلق، لم أعرف لأنني كنت سعيداً بهذه الشقاوة، سعيداً بهذا اللعب المنفرد، سعيداً بالصعود إلى الأسطح والقفز عن الأشجار. لم أدر حينها أن هذا النوع من اللعب يؤسّس لوحدة فعلية، وأنني أتعوّد على نفسي إلى درجة لا أعود أحيانا أطيق فيها أن أصحب أحداً.
الآن أستطيع أن أفصح عن لعبتي الكبرى في طفولتي الأولى، وهي بالطبع لعبة فردية إذ لم تزد عن الحلم، عن أحلام اليقظة. كنت أسرح في أفكاري وأرحل معها وأشرد في مسالكها، وبالتأكيد كنت أغرق في قصص شتى. قصص أنشئها واتخذ منها أمكنة لي وبيوتاً وطرقات وبالطبع مغامرات. كنت إذا أخذني الشرود انحبست عن كل شيء فلم يعد الخارج موجوداً بالنسبة لي. يكلّمني أهلي فلا أسمع، وينادونني فلا أشعر بهم.
أحلام اليقظة كانت أيضا مدخلاً إلى ألعاب فصيحة، كأن أجمع أصحابي وأخطب فيهم وأقلّد من يخطبون. كأن نلعب معا عاشوراء، ففي مصيف أهلي كانوا يمثّلون ملحمة عاشوراء وكنّا نتابعهم وهم يتكلمون بتلك العربية المصقولة الضخمة. هذه العربية التي كانت بالنسبة إلينا كوقع السيوف وككتاب التاريخ، نسوح فيها ونتملى من نطقها ونتغرغر بها، وإذا نطقناها تمطينا وكبرنا بها.
وبالطبع لم تكن هذه تصح بدون سيوف، وبسيوف من خشب كنا نشتبك ونتعارك، لكن بالطبع بدون عنف، فقد كنا جميعاً مسالمين حسني التربية، أعني خوّافين قلقين موعودين في مستقبل أيامنا بما يجره علينا الخوف والقلق والوحدة.
لعبنا دائما هذه الألعاب الفصيحة. إلى أن بدأنا نقرأ الشعر العربي ونغوص في ملاحمه ونلعب معه وبه لعبة فصيحة أخرى.

