طلاب السينما يبحثون عن حياتهم

«اعطيها إبرة توقف المغص، وأنا بشرب كاسي وبجي. البشرية فيها تنطر ساعة قبل ما تستقبل عنصر جديد على الحياة»، يقول الطبيب النسائي ساخراً.
في الحانة، التي تستقبل روّادها لليلة أخيرة، أكثر من حياة واحدة: شاب مكفوف مغرم بفتاة البار، امرأة خمسينية تعيش على أمجاد أيام الصبا، عازف بيانو يشرب الويسكي مع مكعبي ثلج، وطبيب نسائي يهب الحياة للآخرين فقط.
كل هذا، بالأسود والأبيض، على شاشة كبيرة في حرم «جامعة سيدة اللويزة» في زوق مصبح، حيث نُظّم «مهرجان جامعة سيدة اللويزة لأفلام الطلاب»، بنسخته السادسة.
ولدت فكرة المهرجان وفق مؤسسه، رئيس قسم الإعلام في الجامعة سام لحود، «بعد حرب تموز سنة 2006، كمحاولة لإعادة إحياء المهرجانات في لبنان. وبعد نجاح النسخة الأولى، أصبح المهرجان محطة سنوية تتوقف عندها السينما الطلابية في شهر تشرين الثاني». وبعدما انطلق المهرجان بمشاركة ست جامعات لبنانية، بات يضم إحدى عشرة جامعة، هي: «البلمند»، «اللبنانية»، «القديس يوسف»، «اللبنانية الأميركية»، «الكفاءات»، «اللبنانية الألمانية»، «الروح القدس ـ الكسليك»، «الأنطونية»، «الأميركية للتكنولوجية»، و«الأميركية للعلوم والتكنولوجيا». وتشارك «اللويزة» في المهرجان الذي لا تدخل أفلام طلابها في المنافسة على الجوائز لضمان نزاهة المسابقة. ولا يُخفي لحود شكوى طلاب «اللويزة» من هذا الإجراء «غير العادل» في حقهم، لكنّه يرد عليهم بالقول: «شاركوا في مهرجانات الجامعات الأخرى». ويشير إلى أن الإقبال على المشاركة في المهرجان يزداد سنة بعد أخرى.
يشكو جورج نعمة المشارك بفيلمه القصير «يا هيك… يا مبلا» (الروح القدس) من اهتمام «المنتجين ووسائل الإعلام بما هو تجاري». ويؤكد أن «وجود مواهب شابة تريد تقديم أعمال جيدة». وبالرغم من اعتباره «دراسة الإخراج والتمثيل تجربة فريدة تُغني عملي في مجال الموسيقى»، لا يُخفي القلق الذي يتملكه في انتظار دخوله سوق العمل، «لكن الحماسة أكبر، وطالما أنه لدى الشباب أعمال جيدة يقدّمونها يعني أن الفن باق وله مكانه ومكانته».
في أعمال الطلاب رغبة في المحافظة على صور من الماضي، إن كان في الفن الأصيل، أو في الأماكن التي اعتدنا عليها فأصبحت تشكل هوية أو رموزاً تذكر بماضٍ جميل. في فيلمها الذي تدور أحداثه داخل حانة تشرف على إغلاق أبوابها إلى الأبد، تودّ جيسيكا منصور أن يفكّر المشاهد في الحانة، بما كانت عليه سابقاً وبما ستؤول إليه في المستقبل. «في الحانة، قصص إنسانية لشخصيات كل منها إما يشرب لينسى، وإما ليتذكّر»، تشرح جيسيكا، الطالبة في «القديس يوسف». كتابة السيناريو كانت المرحلة الأطول في صنع فيلمها القصير، وفقها. «جمع التفاصيل الصغيرة كي تصبح الصورة أوضح وأكمل، هو العمل الأصعب». وما يقلقها هو وضع السينما اللبنانية، التي تحلم بأن «تكون أعمق وتتطرّق إلى قضايا لبنانية».
ينتاب متخرجي الإخراج والتمثيل، أو جيل السينما اللبنانية الجديد، قلق على مستقبلهم المهني الذي لم يبدأوه عمليّاً بعد. فالإعلانات الدعائية مثلاً تتخذ الحيز الأكبر من مجال العمل، وكذلك المسلسلات. في الفيلم الوثائقي «مسرح بيروت»، يتناول أنطوان ناصيف، المتخرّج من «الأنطونية»، واقع السينما والمسرح اللبنانيين. «وجدت أن فيلماً قصيراً لا يكفي لتسليط الضوء على المسائل كلها، فكانت قضية مسرح بيروت نموذجاً لمحاولة محو ذاكرتنا. لذا قررت أن أضرب الحديد هو وحامٍ». يضيف: «قضية مسرح بيروت استفزتني كثيراً، وجعلتني أدرك أن اهتمامنا بالثقافة مجرد ادعاء. قررت أن أواكب الحدث وأن أصوّر الوثائقي. وهذا ما حصل».
في الجهة المقابلة، فضّل طلاب آخرون التطرق إلى مسائل أخرى: الانتحار، التقمص أو الصدفة. يسعى غسان نخول، من «الكفاءات»، في فيلمه أن يظهر كيف أن «صدفة صغيرة يمكن أن تغيّر حياة إنسان». «انطلقت من مسألة حياتية بسيطة، أعمق ما فيها أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بواقع كل شخص»، يشرح. دخل غسان سوق العمل منذ أربعة أعوام، فكان فيلمه هذا تطبيقاً لمسيرته المهنية والدراسية على حد سواء. أما مشاركته في المهرجان، فيعتبرها «إنجازاً».
يعرض هادي أبو عيّاش، في فيلم قصير، لتجربة مع التقمص الذي لم يكن قبل الفيلم مؤمناً به. «تأثرت كثيراً بتجربة صديقي، لذا قررت أن يكون فيلمي القصير مبنياً على قصة حقيقية تتناول مسألة غالباً ما تثير جدالاً بين الناس»، يشرح الطالب في «اللبنانية الأميركية»، ويختم: «الحياة التي نعيشها تتألف من صوت وصورة، لذا، يمكن لحياة أيٍّ منّا أن تكون فيلماً».

السابق
باراك يختار الهـرب سـياسـياً ..
التالي
“بيت المحترف اللبناني” يعود إلى شاطئ بيروت