في الانتهازية ومراتبها

بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بأيّام معدودة اتصل أحد قادة الأجهزة الأمنية آنذاك بأحد رؤساء الصحف في بيروت ودعاه إلى الكفّ عن "الصراخ" لأنّ الموضوع يستأهل اهتماماً لأيّام معدودة، وبعدها كل واحد يرجع إلى شغله..
بالأمس، كرّر النائب ميشال عون الدعوة ذاتها في جريمة اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، لكنه على عكس الجنرال السابق، عمّم دعوته وأذاعها على الهواء مباشرة، باعتبار أنّ من حقّ كل "عائلة" أن تحزن على فقيدها كما تشاء، لكن الوضع العام يجب أن يعود إلى ما كان عليه.. فوراً.
الطينة الذهنيّة والسياسية ذاتها تربط بين الجنرالين، وتدفع بالإسفاف المرضي الخالص والتام والمكتمل إلى الانزلاق بهذه الصورة البائسة. حتى ليخال أهل الحق، أنّ الغدر بالاغتيال شيمة مرجعية ممانعة بقدر ما هي أداة مركزية من أدوات الطغيان، والعمود الأساس الذي تقوم عليه سلطة الطغاة وتستمر.
وليست المرّة الأولى التي يذهب فيها النائب عون إلى تلك الحدود. سبق، كما يعرف الجميع، أن فعلها بعد جرائم طالت سياديين واستقلاليين وأحراراً لبنانيين، دافعاً التوظيف السياسي إلى مستويات لا شك في ابتذالها ورخصها، خصوصاً وتحديداً لجهة ادراج جرائم الاغتيال في رزمة أوراق الاعتماد المقدّمة إلى الرعاة والحلفاء وموضع الرجاء المستجدّ!
كأنّ الموقف السياسي في ذاته غير كافٍ، بل المطلوب تغليفه بجرعات عصبيّة واضحة تردفه بالدعم وتقوّي عوده وصلابته، وتقطع الشك باليقين بأنّ الاصطفاف في خط الممانعة ليس نزعة انتهازية محسوبة لدواعٍ خاصة وطموحات شخصية ومنافع من كل صنف فحسب، بل هو مراس متأصل في الثقافة المبتذلة، والأخلاق المتردّية والبيان التهويلي الشامت في جوهره، وإن قال في ظاهره العزاء. وعبّر عن حزن تمثيلي، وأظهر حرصاً على السلم الوطني وحسن سير عمل المؤسسات!
في تلك المنظومة وذلك الأداء، انّ القتل هو محدلة تسوّي ما نتأ على طريق السيطرة وإتمامها وإكمالها. ويفترض بعد التنفيذ أن يعود الطريق سالكاً وآمناً.. الحديث الآخر المتّصل بكل شأن إنساني أو ضميري أو أخلاقي يترك لأصحاب العزاء داخل نطاقهم الجغرافي. أي في البيت والعائلة وليس في الدولة واجتماعها البشري ومؤسّساتها العامّة.. وإلاّ طار مفعول الجريمة وما تحقّق المبتغى منها.
لا جديد يُذكر في ذلك الأداء العوني، بل إعادة تظهير للصورة الفعلية لفحواه الأوّل والأخير: فحوى الارتداد إلى مستويات غير مألوفة حتى في أمرّ أيام الحروب اللبنانية. حيث أنّ القتال كمُعطى عام (!) لم يُخرج رجال الدولة الفعليين من ثيابهم ومبادئهم وأخلاقهم، ولم يكلّس ضمائرهم، ولا أخذهم قطار الانتهازية المريضة إلى محطّات لا تشرّف أحداً، لا في الأصول ولا في الفروع، لا في الأنسنة ولا في السياسة.

السابق
كفى هرطقة
التالي
ميقاتي: لا أحمل حقداً على أحد