حزب الله بين الإنكار والفخار!

في حين انهمك رئيس الحكومة في الأسبوعين الماضيين بإخبار كلّ زوّاره وغير زوّاره عن نجاحاته بنيويورك ومع كل الأجانب والعرب، كان حزب الله منشغلاً بما هو أهمّ وأولى: إرسال المزيد من عساكره لدعم النظام السوري في حربه على شعبه – وتشييع من قُتل منهم وهم يقومون بواجبهم «َالجهادي» (في سورية وليس في إسرائيل) – ومحاولة التغطية على هذه الكارثة (قتل السوريين مع النظام هناك، وهم الذين ما أساؤوا للحزب بشيء وتحمّلوا ثقالته وثقالة الإيرانيين على مدى عشرين عاماً وأكثر!) بتطيير طائرة بدون طيار فوق الكيان الصهيوني لتذكيرنا قبل تذكير الإسرائيليين بأنه ما يزال حزباً مقاوماً (ما عُدنا نذكر من «مقاومته» غير احتلال غزة على يد حليفته حماس عام 2007، واحتلال بيروت على يده عام 2008) – وإنكار مشاركته في قتل جبران التويني استناداً إلى ما أوردته فضائية «العربية» من معلومات وصلت إليها. والطريف أنه بهذه المناسبة – وبعد إنكار التهمة، ما اتّهم إسرائيل كعادته، بل قال إنه ينتظر نتائج التحقيق، وهذه آخر وأبلغ نكتة سمعتُها أو قرأتُها من آماد فأين اعترافه بالتحقيقات في أي شيء، في لبنان أو في المحكمة الدولية؟! وكيف استجاب للقرار الاتهامي بشأن مقتل الرئيس الحريري، وفيه ظنّ بأربعة او خمسة من عناصره، وقد قال إنهم أبطالٌ وقديسون ولن يسلّمهم! – والتحذير من «الفتنة» التي تُروج لها بل وتشعلها اطراف دولية تُطيعهم قوى 14 آذار، ويطيعهم ويتحمس تيار المستقبل. وكان الامين العام لحزب الله عشية اجتياح بيروت، ومراراً بعد ذلك قد قال إن الفتنة صارت وراءه، وإن «أشراف» اهل السنّة معه ويدعمون المقاومة. فلماذا عاد الحزب الآله، وعادت وسائل إعلامه، وعاد الرئيس نبيه بري للتحذير من الفتنة؟!

كان التحذير من الفتنة يأتي من جانب الحزب بعد كلّ ارتكاب او جريمة. وقد شعر الحزب وانصاره السياسيون (بل وجمهوره!) هذه الايام بالنقزة والتوجس لا لأن الحزب ارتكب جرائم جديدة، بل لأن بعض ارتكاباته انكشفت، من مثل مسألة جبران تويني، ومسائل وكوارث المشاركة في قتل السوريين واعتبار ذلك واجباً جهادياً! فعّاد للتهديد (وليس للتحذير؟) بالفتنة. وفي ظنه أن الناس يخافون من الحروب الاهلية، ومن الصراع بين الشيعة والسنة، وبخاصة ان الحزب يملك سلاحاً قتل به في لبنان، ويقتل به في سوريا: فأسكتوا ايها السنّة، وأيها اللبنانيون، او يصيبكم ما أصاب اهل حمص والقصير والزبداني، ولا أدري أين وأين!
يقول الحزب وانصاره إن الغيوم تتلبّد من جديد حول المقاومة ومحورها، بسبب الصمود «الأسطوري» في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنني لا أرى إسرائيل منزعجة من (مشاركتكم) مع الأسد في حربه على شعبه. كما أنني لا أرى الولايات المتحدة منزعجة من حكومتكم العتيدة، وها هي السفيرة الأميركية بلبنان تبشّرنا أنّ هذه الحكومة التي شكلتموها مع الرئيس الأسد، هي التي ستُجري الانتخابات وفي موعدها. وها هو الميقاتي يقول لمن يريد أولا لا يريد أن يسمع إنه حظي برضا فيلتمان وما يزال، وبرضا لارسن وما يزال. بل وبرضا الرئيس أوباما (الذي لم يمنح رضاه في الأمم المتحدة لمرسي ولا لنتنياهو!)، فأين هي مخاصمة أميركا وإسرائيل لكم أو لحكومتكم أو لتدخلكم العسكري والأمني في سورية؟ قد أهتم الأميركيون على مدى شهور (وبمعاونة الأمن العام اللبناني) بدخول عناصر من القاعدة الى سورية ولبنان، بل وكادوا يسحبون دعمهم الكلامي للتغيير في سورية؛ لكننا لم نسمع أنهم انزعجوا من دخول الاف منكم للقتال في سورية، وآلاف مثلها من «جيش المهدي» ومن فيلق القدس، والحرة الوحيدة التي اظهروا فيها إنزعاجاً كان من كثافة الطائرات المدنية الايرانية التي تمر بالأجواء العراقية حاملةً سلاحاً لكتائب الاسد! وهكذا فهم راضون عنكم في لبنان وفي سورية. وهم واثقون أنكم لن تمسُوا اسرائيل بضرر ما لم تحدث حربٌ بين اسرائيل وايران!

لستُ اتهمكم في الحقيقة بالكذب إلا في أمرٍ واحدٍ أو أمرين: الأوّل أن أميركا وإسرائيل تعملان ضدكم. والثاني أن الخصوم إنما يوجهون هذه الاتهامات اليكم لإثارة الجمهور السني واللبناني، بينما انتم براء من كل ذنب براءة الذئب من دم يوسف! أما الأمور الأخرى: من الاغتيالات في لبنان، وإلى القتال ضد الشعب السوري، فأنتم لا تعترفون بها فقط، بل تفخرون، وإلا فكيف يصبح المتهمون بقتل الحريري قديسين وأولياء صالحين، وكيف يصبح المقتولون ممن أرسلتموهم إلى سوريا: شهداء يقومون بواجبهم الجهادي؟!

فلندع هذا الهراء وإظهار الإنكار والاستنكار، فأنتم لا تعانون من تأنيب الضمير، ولا من خشية الفتنة، وإنما تخشون المستقبل القريب، ويا لهوى ما ينتظركم وينتظرنا نحن المسلمين واللبنانيين جميعاً معكم وبواسطتكم أو غير واسطتكم!.

إن الطريق إلى منع الفتنة ووحدة المسلمين واللبنانيين معروف. والطريق إلى الدولة والطائف معروف. والطريق إلى كسر عين أميركا وإسرائيل معروف. والطريق الى إنقاذ لبنان والعرب معروف: فأين هي السياسات والتصرفات التي سلكتموها في هذه السبل منذ سبع سنوات وأكثر؟! ما رأيت شيئاً من ذلك لديكم منذ عين التينة عام 2004، وإلى عين الميقاتي والأسد عام 2010، لقد أرادوكم أن تحكموا ويحكم محوركم (فيلتمان وغيره) في العراق وسوريا ولبنان. وقد «ارتكبتم» في كل تلك البلدان ما جعلكم مؤهلين من وجهة نظرهم للتصدر والسيادة. وظننتم انكم تنجون في الدنيا والآخرة. في الدنيا بالقوة، وفي الآخرة بفتاوى الإمام القائد الشجاع المجاهد (ممثل الإمام القائد هو الذي صلى بالجنوب على «شهيد» الواجب الجهادي بسوريا!). وها أنتم تواجهون نتائج اعمالكم أسرع بكثير مما قدرتم. اللهم لا شماتة. فالذي يحتل بيروت بدلاً من حيفا، ويؤدي فروض الشهادة في حمص والقصير بدلاً من الجليل الأعلى، يستحق الرثاء والشفقة بالفعل، وليس الشماتة!.

ويا أيها الميقاتي، يا صاحب سياسة النأي بالنفس، هل وجود الآلاف من كتائب حزب الله في سوريا يذهبون ويجيئون ويقاتلون ويقتلون، كل ذلك غير مخل بسياستك العصماء للنأي والحياد؟ إنما مثلنا ومثل الشعب السوري معك ومع حزب الله ما قاله شقيق أحد الشهداء مع الإمام الحسين:
وعند غني قطرة من دمائنا
سنجزيهم يوماً بها حيث حلّت  

السابق
كم قتيل في سوريا ؟
التالي
الشرع … لمَ لا؟