كلام برّي على محك التنفيذ!

كلام الرئيس نبيه برّي في مهرجان الإمام موسى الصدر، أثلج قلوب اللبنانيين الذين اكتووا في الأسابيع الأخيرة بنيران الدواليب في الشوارع، وغارات قطع الطرقات، وعمليات الخطف العشائرية، وما رافقها من ظهور «جناح عسكري» هنا، و«مجلس عسكري» هناك!.
أبدى اللبنانيون عامة، والمسلمون خاصة، ارتياحهم لكلام «أبو مصطفى»، لأنهم اعتبروا، أنهم سمعوا خطاب رجل دولة مسؤول، وليس رئيس حركة سياسية أو ميليشيوية، ولأن الرجل أطلق مواقف وطنية أساسية، تجاوزت مواقع الفئوية والمناطقية والمذهبية الضيقة إلى رحاب الوضع الوطني الجامع… والمحاصر منذ فترة، بزنار نار من التأزم السياسي والتوتر الطائفي والمذهبي، والمهدد بالتصدع والانهيار في الشارع، تحت ضغط الانقسام حول ما يجري في سوريا، والمواجهات الدموية التي تنشر الخراب، وتحصد المئات يوماً بعد يوم.
تعدّدت الاتجاهات في تحليل خلفيات وأسباب الخطاب البري، توقيتاً ومضموناً.
من قائل بأن «ثعلب» السياسة اللبنانية شمّ عن بعد رائحة المخاطر المقبلة على البلد، فعمد إلى إطلاق ناقوس الخطر.
ومن قائل بأن رئيس المجلس النيابي، المعروف بحنكته ودهائه، أدرك بأن المتغيّرات المقبلة في المحيط أكبر من قدرة الحكومة الميقاتية على التعامل معها، وحماية الوضع الداخلي من تفاعلاتها، إلى تحليلات أخرى ذات صلة بالمعادلات الداخلية، من نوع أن سيّد عين التينة يريد أن يغادر خنادق الانقسام والتقوقع، والعودة إلى الدور الوطني الشامل، على اعتبار أنه أكثر قبولاً، وأكثر كفاءة للقيام بهذا الدور من الطرف الشيعي الآخر، أي حزب الله، وبقية أطراف 8 آذار، بما فيها التيار العوني.
ويذكّر أصحاب هذا الرأي بأن برّي سبق له أن لعب مثل هذا الدور في أكثر من مناسبة، أهمها حرب تموز 2006، حيث كان هو المفاوض باسم «حزب الله» مع الداخل والخارج، فضلاً عن مبادرته في الدعوة إلى طاولة الحوار في ربيع عام 2006!.

اختلاف الاجتهادات والتحليلات لخلفية وأهداف الخطاب وصاحبه، لا تقلل من أهمية المضمون والتوقيت من جهة، ولا تنفي حجم موجة الارتياح التي سادت الأوساط السياسية، خاصة في جبهة قوى 14 آذار، وبالأخص بالنسبة لكتلة «المستقبل» النيابية، من جهة أخرى.
الواقع أن مبادرة الرئيس فؤاد السنيورة بالاتصال بصديقه اللدود لتهنئته على مضمون الخطاب، واعتباره «منطلقاً للمتابعة والتواصل» جاءت نتيجة تحليل جدّي ومعمّق للمواقف التي أطلقها برّي في لحظة وطنية دقيقة، والتي تتلاقى في معظمها مع خطاب «المستقبل» زعيماً وكتلة وتياراً، في نبذ الفتنة وضرورة تحصين الجبهة الداخلية، ورص صفوف الوحدة الوطنية، لمواجهة الزلازل السياسية المحيطة بالوطن الصغير.
إن هذا التلاقي بين «أمل» و«المستقبل» على رفض الفتنة المذهبية، وحماية التلاحم، وليس مجرّد العيش فقط، السنيّ – الشيعي، وإدانة الممارسات الفوضوية في الشارع، والتطلع إلى الدور العربي في معالجة مشاكل المنطقة، وأزماتها الملتهبة، من المفترض أن يُشكّل القاعدة اللازمة لإعادة وصل ما انقطع بين الثنائي الشيعي وتيار المستقبل كخطوة أساس، ولا بد منها لإعادة الحياة إلى شرايين الحوار السياسي بين الأطراف المعنية بالمعادلة الوطنية، بهدف إيجاد الصيغ المناسبة للأزمات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، والتي تهدد الاستقرار الوطني والاجتماعي بسبب عدم التوافق على خطط المعالجة، وتحديد أولويات العمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قدرة الدولة وهيبتها ودورها، ومن بنية اجتماعية تشكّل السياج الوطني للنسيج اللبناني.

إن الأهمية المضاعفة لكلام رئيس المجلس الذي كسر به الجليد المستحكم في علاقات 8 و14 آذار، تكمن في ترجمة هذه المواقف إلى سلسلة من الخطوات العملية، والتي يتحمل مسؤوليتها الطرفان معاً، لأن الصراع بينهما، وما نتج عنه من انقسامات على مستوى الشارع، أوصل البلاد إلى هذه الحالة من العجز والشلل، وأودى بالعباد إلى ما يعانونه حالياً من يأس وإحباط ومَلل!.
ورغم أن اتصال السنيورة قد جسّد مشاعر الارتياح عند اللبنانيين، إلا أن هذه الخطوة وحدها، لا تكفي، إذا لم تعقبها سلسلة خطوات تفكّك العقد المستعصية، وتنزع الألغام عن طريق حوار جدي وهادف، يُخرج البلد من حالة التخبط في دوّامة الانقسامات والأزمات، والتي وصلت مخاطرها إلى قواعد الوضع الاقتصادي برمته.
لقد علمتنا التجارب المريرة في الأمس القريب بأن التردد، أو حتى التذاكي، في التعامل مع فرص الإنجاز والانفراج المتاحة، من شأنه أن يؤدي إلى إضاعة تلك الفرص، والوقوع في شر فقدانها وتداعيات انتظار أمثالها من جديد، وهذا ما يفرض على القيادات المعنية سرعة التحرّك باتجاه حلحلة عُقد الخلاف، قبل أن تُداهم تطورات محلية أو إقليمية، الجميع وتُطيح بفرصة التلاقي من جديد!.
  

السابق
الإبراهيمي وأنهار الدم
التالي
حماس تُجري تعديلات على حكومتها في غزة