اطردوا السفير السوري

هذا العنوان منسوخٌ عن الشعارات واللافتات التي رفعها منذ يومين المعتصمون أمام وزارة الخارجية في الأشرفية. لا أريد الدخول هنا في سجال حول العلاقة بين حرّية التعبير الديمقراطي من جهة، ومحاولات الضغط السياسي على الحكومة لغايات حزبية داخلية أو خارجية من جهةٍ أخرى. ولكن في مواقف كهذه، وانسجاماً مع عنوان هذه الزاوية، لا بدّ من ملاحظة ولو عابرة.
السفير، أيّ سفير، يكون مكلّفاً بمهام معينة، ومن واجبه أن يحافظ على العلاقات بين دولته والدولة التي يعمل فيها، وعليه ألّا يتصرّف بما يخالف القواعد والأصول الدبلوماسية والأعراف الدولية المتّفق عليها.
هل يستطيع أحدٌ أن يبرز تصريحاً أو موقفاً يسيء إلى العلاقات بين لبنان وبلد السفير الذي تطالبون بطرده؟ أم أنّ ذلك ليس «رمانة بل مجرّد قلوب مليانة»؟ وإن لم تكن كذلك، فهل هي أوامر من «صاحب الأمر» لتنسجم المواقف مع الضغوط السياسية والإعلامية والحربية ضدّ بلد هذا السفير؟
مهما يكن الأمر، فأصحاب التظاهرة أحرارٌ طبعاً، ولهم حقّ حرّية التعبير، ولكن.. ماذا عن صولات السفيرة الأميركية «السيدة» مورا كونيللي وجولاتها؟ وماذا عن تصرّفات كلّ من هبّ ودبّ في هذا البلد، ممنّ يحمل صفة سفير أو مندوب أو مبعوث، ولو تحت تسميات مختلفة؟
تدخّل السفيرة الأميركية استدعى عشرّات المرّات ملاحظات تطالب وزارة الخارجية بضرورة لفت نظر السفيرة إلى أصول العمل الدبلوماسي، لكن الأمر لم يصل إلى حدّ التظاهر ورفع اللافتات والشعارات، ولا بلغ حدّ التهجّم على وزير خارجيتنا كائناً من يكون. ومع ذلك نقول:
ماذا يكسب لبنان من طرد السفير السوري والمضيّ في تلبية الرغبات بقطع العلاقة مع سورية، وإلغاء اتفاقية الأخوة والصداقة، وإغلاق الحدود؟ وليس لنا من حدودٍ إلّا مع سورية وفلسطين المحتلة، فهل نفتح تلك الحدود مع..؟!
ملاحظة أخرى، كان المتظاهرون يرفعون صورةً لوزير خارجية لبنان عدنان منصور، كتبوا تحتها: «أنت لا تمثّلني». انظروا إلى عنوان هذه الزاوية: «مجنون يحكي وعاقل يسمع»، من يمثّلني إذًا؟ هل تمثّلني «السيّدة» كونيللي؟ وهل كان يمثّلني المقيم «الإسرائيلي» الدائم في الضبية؟ أم يمثّلني الناطق باسم الولايات المتحدة الأميركية الذي حشد السفن لتنقلني من وطني إلى مجاهل العالم، أو إلى خيام اللاجئين؟
ليس المطلوب السكوت عن ظلمٍ، ولا عن «احتلال»، إن صوّروا لنا الوجود السوري «احتلالاً». لنفكر ونتذكّر أنّ الوجود السوري في لبنان حصل نتيجة رحلةٍ إلى دمشق قام بها أربعة «زعماء» لبنانيين يعرفهم الجميع. وكان ذلك تلبيةً لطلبٍ أميركيّ مباشرٍ وصريح، بل نتيجة رجاءٍ أميركيّ قبيل تنفيذ مخطّطها في العراق. إنها المصالح الدولية يا سادة، فانتبهوا إلى مصلحة لبنان إن كنتم تدركون.
المطلوب قَدْرٌ بسيطٌ من المشاعر الوطنية، بعضٌ من التعقّل، إن لم نقل العقل. المطلوب شيء، ولو قليل، من الالتزام الوطني بمصالح الوطن، الذي هو أكبر من كلّ الشعارات .
إن لم يعجبكم وزير الخارجية ولا يمثّلكم، فاطلبوا من نوّابكم سحب الثقة منه، واسلكوا الطريق الديمقراطية الصحيحة إن كنتم تؤمنون بها. 
 

السابق
مبادرات للحل السياسي أمام باب مغلق
التالي
قمّة عدم الانحياز في إيران..خرقت التوقعات العربية والغربية