بعيد عن العين، بعيد عن العقاب. لم يكن بشير (21 سنة) يعرف، عندما خاض تجربة المشاركة في مخيم في الجبل للمرّة الأولى، أن تجربة من نوع آخر تنتظره تحت سقف الخيمة التي جمعته بصديق يكبره بسنة تقريبا.
المخيّم يعني جرعة إضافية من الحرية: بعيداً عن عين الأم، عن جدران المنزل وعن مراقبة أبسط تحركاته.
بعد نهار متعب وشاقّ، التقى بشير بغابي. تأكد غابي من أن الجميع نيام، خاصة المسؤولين عنهم. جاء بعصا صغيرة وجدها بين حفنة من الأشواك والخشب وبدأ يحفر في الأرض. للوهلة الأولى، خال بشير نفسه بطلا في فيلم رعب: جبال عالية، ليل أسود، خيمة صغيرة، حفرة في الأرض و.. علبة "لاكي سترايك".
ظلّ غابي يحفر لثوان ظنها بشير طويلة قبل أن يخرج صديقه كيسا أسود خبأ فيه العلبة. راح غابي يشرح لبشير بصوت منخفض جدّا:
– "أوّل شي حِطّها بتمّك وسحاب..".
– "إيه وشو بيصير؟ إنو ما بيصير شي؟ ما بتطلع ريحة؟".
أشعل الصبيان سيجارة واحدة تناوبا على تدخينها. كان غابي قدّ دخّن من قبل لكنها كانت تجربة بشير الأولى. لم يجب غابي عن أسئلة بشير، تركه يجد الأجوبة بنفسه. "ما صار شي" يومها، والرائحة "ما طلعت". كل ما في الأمر أن ابن الأعوام الـ14، شعر لأول مرة "انو هو عمل شي كتير مهم!".
لدى بشير روايتان عن التدخين: "المرة الأولى لمّا حطّيت السيجارة بتمّي، والمرّة الأولى لمّا دخّنت عن حقّ وحقيق".
يروي بشير أنه كان مع صديقه في سيّارته، وأنه كان في حالة يرثى لها. كان قد مضى على عراك حادّ مع حبيبته بضع ساعات فقط.
ركن صديقه السيارة وجلسا في العتمة. صديقه أيضا منفصل حديثًا عن حبيبته.
– "بدّي علّمك الدخان".
– "أنا مدخّن من قبل بس وحياة إمّك لا تقول لحدا!".
هذه المرة، لبشير سيجارته الخاصة. ظلّ يحاول تقليد صديقه إلى أن كاد يختنق. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كان عمره 17 عاما، وكانت سيجارته الحقيقية الأولى.
أمنية رأس السنة.. سيجارة
غالبا ما تكون ليلة رأس السنة مليئة بالتمنيات والوعود. في أغلب الحالات، تذهب هذه الأمنيات مع أول إشراقة للشمس. وإن بقيت، فسيتطلب تحقيقها أياما أو أشهرا طويلة.
تلك ليست حكاية ريا (19 سنة) مع رغبتها الدائمة في التدخين، والتي تحققت في اليوم الأول من عام 2010.
في شاليه في الأرز، أمضت ريا الأيام الأربعة الأولى من السنة الجديدة مع أصدقائها: خمسة فتيان وثلاث فتيات. الشبان جميعهم من المدخنين، تتأملهم ريا بشغف كبير. لم يكن أحد منهم يعجبها أو يثير اهتمامها، بل هي السيجارة التي بين أصابعهم. عرض أحدهم عليها أن يشعل واحدة تكملها هي. جاءها عرض لا يحتمل الرفض ولا التردد. أخذتها من بين أصابعه، وعلت معها الصيحات المشجعة.
لم تكد تضعها بين شفتيها لتأخذ أول سحبة حتى صرخ أحدهم بها: "إجت إمّك!".
رغم معرفتها ببعد أمها الجغرافي عنها، إلا أن الصرخة التي أطلقها الشباب عمدًا، أجفلتها. دخل الدخان رئتيها، وأصيبت بسعال امتدّ لبضع دقائق، هنأها خلاله الشباب على سيجارتها الأولى.
السيجارة الأولى أصبحت يومية طيلة فترة بقائها في الشاليه، قبل أن تعود إلى بيتها.
بعد سنة أو أكثر بقليل، نسيت ريا ان كانت متحمسة للتدخين. ذات يوم، عادت إلى بيتها لتجد أن أهلها وأخواتها غائبين. جلست في الصالون حيث علب دخان أمها مبعثرة على الطاولة قررت أنها سوف تعالج مشاكلها اليومية بالتدخين. سيجارة بعد أخرى، شعرت ريا بأن همومها تتلاشى. وظلت، حتى اليوم، تنفث الدخان مع أو من دون هموم.
علبة وولاعة.. وأم بعيدة
ربما يكون ليون (27 سنة) قد كسر الرقم القياسي من حيث صغر سنه عندما دخّن سيجارته الأولى. في عمر الست سنوات، استغلّ ليون، كعادته، انشغال أمه في أمور البيت لكي يقوم بتصرف مشاغب سيكلّفه توبيخا إضافيا.
لا يحتاج ليون الصغير إلى أحد يعيره سيجارته. يحتاج إلى علبة سجائر، ولاعة وأمّ بعيدة.
أحد لا يدخن في عائلته، لكن العلب على طاولة الوسط في الصالون موضوعة في تصرف ضيوف البيت.. و"المشاغبين" من أهله!
فتح ليون العلبة بفرحة طفل لطالما راقب المدخنين من ضيوف المنزل بمزيج من الدهشة والإعجاب. أخذ واحدة بيده، ونقلها إلى شفتيه ثم حمل الولاعة، قلّد المدخنين وأشعل سيجارته الأولى "بلا منيّة حدا".
لم تكشفه أمه لحظتها، مما أتاح له الوقت ليعيش التجربة بالكامل. لكن الرائحة خانته. لم ينفع التوبيخ مع طفل مشاغب، فأعاد الكرة في اليوم التالي ليتجاهل الموضوع لبضع سنوات.
السيجارة الثانية أو الثالثة كانت في المدرسة. بين حصّة وأخرى، استغل ليون الفرصة مرّة أخرى قبل أن يبدأ بحمل علبة بشكل دائم في جيبه.
مشهد الدخان.. لوحة فنية
لا تذكر إيفا (23 سنة) أنها رأت خالها الصحافي يوما من دون قلم في يده اليمنى وسيجارة في يده اليسرى. عندما كانت تجلس تتأمله يقرأ أو يكتب، كان يثيرها مشهد الدخان الذي ينبعث من بين أصابعه. كانت تتخيل أن الكلمات على الورق تحترق فتخلق ضبابا يملأ الغرفة.
نقل إليها حب القراءة والكتابة.. والتدخين. في عمر السادسة عشرة، وفيما كانت في البيت بمفردها تمارس هواية الرسم، قررت إيفا أن ذلك اليوم مناسب لخوض تجربتها الأولى مع التدخين.
تعترف إيفا أنها، في البدء، لم تعجب بطعمه بقدر ما أعجبت بمشهد الدخان. شعرت أن تموّجاته جزء من لوحتها الفنية. غادرت المنزل، اشترت علبة من أقرب دكان وأشعلت سيجارتها الأولى. طعم الدخان في فمها أثار اشمئزازها لكنه لم يمنعها من تدخين علبة كاملة، بينما كانت تنهي رسم اللوحة.
لا تحمل إيفا في حقيبتها علبة سجائر، لكنها بين الحين والآخر تشتهي رائحة الدخان وأشكاله فتحمل بين أصابعها سيجارة كما كان يفعل خالها قبل أن يفارق الحياة.

