شخصيا، لا احب قراءة مقالات تحليلية يحاول فيها اي كاتب اقصى جهده إقناع القراء بمواقفه او تشتيتهم بين خيارات و مخارج متعددة، تغطية لعجز الإستنتاجات الواضحة المحددة، فاي تحليل لا يستند الى كم لا بأس به من المعلومات الموثوقة، ومقاطعة تلك المعلومات مع اكثر من مصدر، لن يكون اكثر من تحليل ذهني شخصي يحتمل الصواب او الخطأ و يحتمل التشويش، ويحتمل تسويق المواقف الشخصية للكاتب نفسه وتسويق قناعاته، والتشخيص الخطأ يؤدي في الغالب الى كوارث في مجال الطب على الاقل.
بدايات الثورة السورية صيف العام الماضي، كتبت مقالا بعنوان «مكامن القلق الاسرائيلي من الثورة السورية»، نشرته في «العربية. نت»، وبعدها بثلاثة اشهر كتبت مقالين عن الموقف الروسي، نشرتهمها في «العربية. نت»، وفي هذا المنبر الغالي على قلبي، لأني من خريجي مدرسة «الراي العام» منذ العام 1980.
المقالات الثلاثة كانت قائمة على كم كبير من المعلومات. اليوم، لا ادري حقا كم استفادت قيادة، او قيادات الثورة السورية من تلك المعلومات، لكنه من المؤكد اليوم ان مسألة «القيادة» هي واحدة من كبرى ازمات الثورة السورية، وهذه أزمة لا تحل بالتغاضي عنها او إنكارها، فالثورة السورية قدمت اعظم عطاء في العصر الحديث، لكنها لم تنتج بعد قائدا او قيادة تلفت انظار العالم، وتركن اليها الثورة السورية، وتلك مشكلة كبرى، فليست هناك ثورة تنتصر دون برنامج واضح، وقيادة معروفة وموثوقة من الشعب.
كنت، ولا زلت اطمح ان يكون «المجلس الوطني السوري»، كيانا قويا معبرا عن الثورة والشعب، وقيادة سياسية لكتائب وتشكيلات «الجيش السوري الحر»، او على الاقل، تكون قيادة «الجيش الحر» مسيطرة على الكتائب المقاتلة وقادرة على الزام تلك الكتائب وما تحالف معها من الميلشيات المسلحة بالنهج العام للثورة السورية.
لكن تلك الأمنيات بقيت أمنيات، فأصبحت ثورة الشعب السوري، حتى بعد تقديم اكثر من 20 الف شهيد، مكشوفة تماماً امام «امراء الحرب»، وتلك كارثة لا تحتملها الثورة السورية، ولن يقبلها الشعب السوري، لكنها كارثة مدمرة على وحدة سورية، وعلى التنوع القومي والطائفي والديني السوري.
اعضاء المكتب التنفيذي المؤسسين لـ «المجلس الوطني السوري»، يتحملون مسؤولية قاتلة في «ازمة القيادة» التي تواجهها الثورة السورية لاسباب ثلاثة واضحة: الاول، ان لا احد منهم مثل قاعدة شعبية واضحة في الداخل السوري. الثاني، انهم كانوا يتأخرون دوما وكثيرا عن شعارات الثورة، شعارات تعكس تطوراتها الميدانية وضاعوا في «جدل بيزنطي» بينهم واعتقدوا بانهم «السبعة البررة»، او «المبشرين»، ولم يفهموا ظاهرة الانشقاقات العسكرية ولا فهموا نشوء «الجيش الحر»، لم يستوعبوا او يقبلوا «العسكرة الدفاعية.
اما الثالث، فانهم لم يجرؤا على رفع شعارات التدخل الدولي، كما طلبتها الثورة منذ بداية انطلاقتها، وتلك ظاهرة لا تدل على عدم تفهم الموقف فحسب، بل تعكس استنتاجات خطيرة تنم عن الجهل بقوة النظام، وقدرته على البطش الواسع، وتلك مصيبة كبيرة، او الاستنتاج بضعف بنية النظام الاسدي الأمنية والعسكرية والطائفية، وتحالفاته الداخلية والإقليمية او الدولية، وتلك مصيبة اكبر.
بدلا من الأولويات الملحة، انشغلوا بتكتيكات والاعيب التطويق والأضعاف الداخلي، فاتخذوا قرارات اقل ما يمكن ان يقال فيها «سطحية وسخيفة «، لكنها تنم عن جهل و انعدام الثقة واستعجال تقسيم «الكعكة»، فليست هناك ثورة في التاريخ تختار قائدها السياسي كل شهر مرة، مهما كانت الظروف، وتلك قمة الصبيانية في فهم الديموقراطية وتداول السلطة.
الأخوة والاخت، اعضاء المكتب التنفيذي، بنوا توقعاتهم «الشخصية»على سقوط سريع للنظام، وكانوا يفكرون، من منهم سيكون رئيس «المجلس الوطني السوري» لحظة سقوط القريبة لنظام القتل، فيدخل، او تدخل دمشق، على حصان ابيض ومن أوسع الأبواب.
الواقع على الارض يكاد ان ينحرف عن المسار، وأكثر ما أقلقني منذ بداية الثورة، ان يسقط النظام ولا تنتصر الثورة، ونحن اليوم في اقرب نقطة الى ذلك الاحتمال المفجع، ان يسقط نظام بشار الاسد، فذلك لم يعد موضع سؤال او نقاش في الداخل و الخارج، لكن كيف يمكن الحكم بانتصار الثورة من دون معرفة برنامجها وقيادتها الشرعية وتعهداتها الداخلية والخارجية، ومعرفة ظروف وحيثيات التزاماتها الداخلية تحديدا، في ظل مناخ التصعيد الطائفي والعرقي والقومي، ومن يضمن عدم انزلاق الثورة الى حروب الانتقام، ومن بامكانه الزام «اصحاب الدم» بترك الامور للعدالة.
جميعنا يشهر بنظام بشار، لاستخدامة القوة و المجازر واحتمالات استخدام أسلحة فتاكة في ظروف يائسة، لكن العالم يفكر بطريقة مختلفة، من يضمن عدم وقوع الاسلحة الفتاكة في ايدي خطرة ومن يضمن ان سورية لن تشهد انتقامات طائفية بعد سقوط النظام، ومن يضمن استبعاد شبح التقسيم، او حتى الاقتتال بين رفاق الثورة، من يضمن سلامة المؤسسة العسكرية و اعادة توحيدها على أسس علمية؟
تلك بعض الأسئلة الخطيرة التي تشغل بال من لا يعدون اصدقاء للثورة، كما لا يمكن تصنيفهم اصدقاء دائمين للنظام، ومن بين أولئك، روسيا والصين واسرائيل، فليس هناك صداقات دائمة، او عداوات دائمة في السياسة الدولية، بل هنالك مصالح دائمة وتلك هي حقيقة تقليدية ثابتة، مهما كانت مرارة الحقيقة.
قراءة الواقع تحتم الموضوعية، وليس هناك من هو احوج الى الموضوعية و الجدية، اكثر من الثورة السورية في حدود أهدافها الوطنية المشروعة و العادلة، فقد يسقط النظام رغم الدعم الروسي الصيني، لكن الكلفة قد تكون عالية جداً، تلك الكلفة و طول مدة إراقة الدماء، ستخلق وقائع جديدة، وقائع لم تكن ضمن اهداف الشعب وثورته.
إذا ما هو البديل؟
ذلك هو السؤال الذي يشغل العالم، بمن فيهم اقرب اصدقاء الشعب السوري، من العرب وغير العرب، بعد الفشل الذريع و المدمر لكل نظريات ايجاد «مرشد» خارجي للثورة السورية، سواء كان ذلك «المرشد» عربيا او إسرائيليا او دوليا، فالشعب السوري اصلا في ثورة على «المرشد» الداخلي والايراني.
لا يجوز لمن يتحكم ببعض المال العربي المخصص لدعم ثورة سورية، ان يندفع وينسى الواقع ويتصرف بانه «المرشد» الجديد للشعب السوري، فتلك ستكون إهانة كبرى للشعب السوري، وجرحا في سلامة نوايا الدعم المالي العربي، وان كان محدودا حتى الان، خاصة ان جاءت ممن لا يملك المقومات، ولا يعرف شيئا عن سورية و شعبها، واكثر من ذلك، الساعين بنفاق وراء ذلك المال، هم اول من سينقلب على الممول، و يشككون باهدافه مهما كانت نبيلة.
ببساطة، وطبقا لمعلومات مؤكدة، المطلوب اولا هو عنوان واضح للثورة السورية، شخصية سورية مدنية او عسكرية،سنية، مقبولة في الداخل من غالبية الشعب والقسم الأعظم من الثوار، ومقبولة من قطاعات الجيش السوري بتوفر مثل هذه الشخصية يمكن الانطلاق بالمرحلة الانتقالية لمدة متفق عليها في حدود عامين.
تبدأ المرحلة الانتقالية برحيل بشار الاسد واسرته ورؤوس نظامه، خصوصا في المؤسسة الأمنية والعسكرية، والمحافظة على المؤسسة العسكرية، والرئيس الانتقالي عليه واجبات منع التصفيات الطائفية والعرقية والدينية، وحماية الأقليات، خصوصا الاقليتين العلوية والمسيحية، و اعادة الاستقرار الى سورية، والتعهد باستقرار وامن الاقليم من دون التنازل عن اي من حقوق سورية الوطنية، أرضا او مياها او موارد.
رعاية إنجاز دستور وطني سوري جديد يصوت عليه الشعب السوري، يجب ان تكون من بين مهام الرئيس الانتقالي وحكومته، وأخيرا الشروع في انتخابات رئاسية ووطنية، وفقا للدستور الجديد، يستبعد من تلك الانتخابات كل من تلطخ بالدم السوري ويمتنع الرئيس الانتقالي وحكومته عن خوض الانتخابات.
بوضوح، تلك هي شروط توفر إجماع دولي و اقليمي لتحديد مصير سورية، وبالقطع هنالك طرق اخرى من بينها ما نحن عليه الان، فان كان الهدف تحرير سورية من اسرة القتل والمجازر، اسرة ونظام الاسد، والمحافظة على وحدة جغرافية و شعب سورية بكل مكوناته، هنالك طريق لذلك.
اما ان كان هناك تباين على الاهداف والمصالح بين قوى الثورة، فذلك لا يعني عدم سقوط النظام، كما لا يعني عدم انتصار الثورة، لكن ذلك الانتصار قد يحمل مخاطر مدمرة لسورية الوطن والشعب، وأخشى حقيقة، من دون ايجاد معادلة تحل «عقدة» موسكو، وتحيّد تل أبيب، فإننا امام مستقبل صعب للغاية لا أراد الله.

