إنشقاق؟

فعلها الموظف الأعلى رتبة في الترتيب الإداري للدولة السورية وترك خلفه وظيفته ومنصبه ومشى.. فمتى يفعلها "الموظف" الآخر نجيب ميقاتي، رديفه في لبنان، وينشق عن بشار الأسد؟
والتوضيح ضروري منذ البداية: "رئيس الحكومة السورية". مصطلح تمويهي كبير. ولا كلمة من كلماته في مكانها التعبيري الصحيح. فلا رئيس في سوريا إلاّ بشار الأسد. ولا حكومة في سوريا إلاّ تلك المضمرة والتي فيها الأمني أكبر وأهم من أي وزير وسياسي. ولا "شيء" اسمه سوريا إنما هناك حاكم واحد لها، ومن دون الصفة لا وجود للموصوف. سوريا الأسد أو لا أحد!
والتمويه الديكوري لا يسري على الحكومة فقط إنما على كل شأن دولتي ومؤسساتي في دولة الأسد.. على "مجلس الشعب"! وعلى القضاء والدفاع والجيش والإعلام وعلى الحزب الحاكم نفسه. أشكال تشبه ديكورات الأفلام، مخصصة للايحاء والتمثيل، بينما الواقع الحقيقي غير ذلك تماماً.
نكتة سوداء ومفحّمة هي تلك التي تحكي عن أطر دستورية وقانونية تسيّر شؤون الحكم والناس في "دولة الأسد". هناك حكومة ظل أمنية خلف الحكومة الظاهرة. وخلف كل وزير معلن هناك ضابط أمن مضمر يحرّكه كما يحرّك لاعب الدمى دميته. وخلف كل شكل أياً كان، نظامي مؤسساتي، هناك "إطار" أمني موازٍ يملك كل الصلاحيات التنفيذية.
والسالفة المذكورة، عتيقة ويعرفها كل من قرأ وعايش تاريخ سوريا الحديث، مع "البعث" وبداياته وتطوراته ومع الأسد وصعوده وإنقلاباته في الدولة والحزب.. من "الرئيس" أمين الحافظ الذي كان واجهة الثلاثي الأول صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد وصولاً إلى "الرئيس" رياض حجاب و"حكومته"!
على أن تحطّم الديكور لا يعني إلاّ فشل الفيلم واحتراقه.. إذ انه برغم كل ما سبق، ليست مسألة عابرة أو بسيطة أو قليلة أن يعلن رأس "السلطة التنفيذية" أياً كانت صلاحياته وقدراته الفعلية، الإنشقاق. ذلك يعني أولاً، من ضمن مليون معنى، ان السلطة الأسدية ضائعة أمنياً بقدر ضَيَعانها العسكري، ولم تستطع منع أو استشراف عملية إنشقاق كبرى مثل التي حصلت. ويعني ثانياً ان التركيبة التمويهية التي اعتادت تلك السلطة على تزيين نفسها بها قد انكسرت. ويعني ثالثاً ان أهل الضمائر الحيّة من أمثال رياض حجاب لا يزالون الأكثرية في سوريا.
… لم نصل في لبنان إلى تلك المرتبة من التمويه. وبقيت رغم كل شيء، للمؤسسات الدستورية معانٍ ووظائف تليق بها. حاول النظام الأمني أيام السيئ الذكر إميل لحود أن يستورد المثال السوري لكن محاولته لم تصمد ولم تعمّر.. حاول، كما يتذكر الجميع، أن يختصر المؤسسات بما يُسمّى "غرفة الشكاوى" في القصر الجمهوري. وحاول، كما يتذكر الجميع، أن يضع في كل وزارة ضابطاً أمنياً يتبع إليه مباشرة.. وظلّ على الدوام يحتكم إلى مرجعيته في دمشق، لكنه في النهاية، لم يخلّف وراءه إلاّ الكوارث، وبقي "النظام" اللبناني أقوى من محاولاته السورية!
مع ميقاتي، كاد الأمر أن يكون أخطر وأشمل وأبعد مدى، لكن الثورة السورية سبقته، وأطاحت معظم بنود أجندة الإنقلاب وبرنامجه التنفيذي، ومع ذلك لم ينشق ميقاتي بعد عن الأسد.. فمتى يفعل، أو بالأحرى "هل" يفعل؟! صعبة عليه..
 
 

السابق
البيت الأبيض: الأسد يفقد السيطرة
التالي
بعد انشقاق رياض حجاب: انهيار صيغة التحالف العلوي- السنّي القديمة