من حسنات الحكومة الفلسطينية الجديدة بقاء الدكتور سلام فيّاض على رأسها. مثل هذا التطور في غاية الاهمية، على الرغم من اضطرار الدكتور فيّاض الى التخلي عن حقيبة المالية، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار حال الضياع التي غرقت فيها قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. هذه القيادة التي تجد نفسها مضطرة الى اللجوء الى معارك جانبية لا فائدة منها بغية التغطية على عجزها.
في السنوات القليلة الماضية، لم يعد هناك من عنوان فلسطيني سوى حكومة سلام فيّاض. هذه الحكومة، التي استطاعت اكتساب ثقة المجتمع الدولي، شكّلت التحدي الحقيقي للاحتلال الاسرائيلي.
يكفي ان هذه الحكومة سعت الى بناء المؤسسات الفلسطينية كي يتأكد المجتمع الدولي ان في استطاعة الفلسطينيين ادارة دولة مسالمة خاصة بهم وان يكرّسوا جهودهم للمحافظة على الامن في تلك الدولة بدل ان يكونوا مجرد مادة يتاجر بها النظامان السوري او الايراني. لم يمتلك هذان النظامان يوما من هدف سوى استخدام فلسطين والفلسطينيين ورقة في سبيل عقد صفقات مع «الشيطان الاكبر» الاميركي و«الشيطان الاصغر الاسرائيلي».
يكفي ان الحكومة السابقة لسلام فيّاض حولت الضفة الغربية في السنوات القليلة الماضية الى ارض مرحبّة بأهلها بدل ان تكون طاردة لهم، كما تأمل اسرائيل، كي يستحق الرجل كلّ ثناء بعيدا عن اي نوع من المبالغات.
في النهاية، لا شيء ينجح مثل النجاح، هناك فلسطينيون متمسّكون بأرضهم يقاومون الاحتلال يوميا بالافعال وليس بمجرد الكلام والشعارات او الصواريخ المضحكة- المبكية او العمليات الانتحارية. هؤلاء الفلسطينيون يريدون اقناع العالم ان من حقهم ان تكون لهم دولتهم المستقلة التي تؤمن للفلسطيني جواز سفر محترما بغض النظر عما اذا كان يعيش في الضفة الغربية او خارجها. مثل هذه الدولة المستقلة «القابلة للحياة» تغني عن بيع الفلسطينيين الاوهام وتغنيهم عن التشرد وتجعل منهم شعبا متصالحا مع الواقع يرفض ان يكون سلعة في يد هذا النظام العربي او غير العربي او ذاك في ظل شعارات مضخّمة اخذت الفلسطينيين من كارثة الى اخرى.
الاهمّ من ذلك كلّه ان حكومة سلام فيّاض تعني الانتهاء من البحث عن المستحيل اي عن مصالحة فلسطينية لا تقدّم ولا تؤخّر ما دامت خالية من اي مضمون سياسي حقيقي من جهة ورغبة لدى «حماس» في التخلي عن الامارة الاسلامية، على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) التي اقامتها في غزة.
تعتبر المصالحة من رابع المستحيلات نظرا الى ان «حماس» ترفض المشروع الوطني الذي اسمه البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. كلّ ما تريده «حماس» هو الاحتفاظ بغزة وتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في القطاع والانطلاق من ذلك للاستيلاء يوما على الضفة الغربية.
كلّ ما في الامر ان العودة الى سلام فيّاض تشير الى وعي فلسطيني لضرورة المقاومة المزدوجة. المقاومة المزدوجة تعني مواجهة الاحتلال الاسرائيلي والسعي في الوقت ذاته الى نشر ثقافة الحياة في الضفة الغربية كي لا يكون مصيرها شبيها بالمصير البائس لغزّة.
يبقى السؤال ماذا بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة سلام فيّاض؟ هل يعني ذلك ان حكومة بنيامين نتانياهو التي تعتبر السلام آخر هما من همومها ستقدم على خطوة في اتجاه العودة الى طاولة المفاوضات على اسس واضحة ومرجعية محددة؟
الجواب ان ذلك ليس واردا. كلّ ما تريده حكومة نتانياهو هو تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية المفترض ان تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة. هذا يجب ألا يمنع الفلسطينيون من متابعة عملية بناء دولتهم من منطلق انهم شعب يريد السلام وانه تعلّم شيئا من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك تجربتا الاردن ولبنان ثم تجربة اتفاق اوسلو وما تلاه من تطورات على الارض اظهرت ان العمليات الانتحارية كانت اكثر ما اضرّ بالقضية الفلسطينية في السنوات التي تلت توقيع اتفاق اوسلو في حديقة البيت الابيض في خريف العام 1993.
يفترض في الفلسطينيين ان يعوا ان الشرق الاوسط كلّه يمرّ في مرحلة انتقالية وان هناك اعادة رسم لخريطة المنطقة واعادة تشكيل لها. اكثر من ذلك، يفترض بهم استيعاب ان قضيتهم لم تعد القضية الاولى، لا عربيا ولا اقليميا. هذا واقع لا مفرّ من التعاطي معه اذا كانوا يريدون تحقيق هدفهم المتمثّل في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. في مثل هذه الحال ليس أمامهم سوى ترتيب البيت الداخلي. الى اشعار آخر، لا ثقة للمجتمع الدولي سوى بحكومة برئاسة سلام فيّاض. انها المعبر الذي لا غنى عنه في حال كان مطلوبا استمرار تدفق المساعدات الاجنبية، خصوصا الاوروبية.
انها باختصار مرحلة انتظار بالنسبة الى الشعب الفلسطيني. والانتظار يعني اوّل ما يعني الحؤول دون ان تكون الضفة الغربية ارضا طاردة لاهلها ومنع سيطرة «حماس» عليها حتى لا تتحوّل الى سجن كبير كما حال قطاع غزة للاسف الشديد.
ما يدفع الى بعض الامل في ان المستقبل سيكون افضل ان الاحتلال، اي احتلال، لا يمكن ان يستمرّ الى ما لا نهاية. وبغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبها ياسر عرفات، رحمه الله، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، يبقى ان الراحل الكبير استطاع وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. مثل هذه الخطوة لابدّ منها في حال كان مطلوبا ان تكون فلسطين على الخريطة الجغرافية للشرق الاوسط. لن يساعد في ذلك سوى اتقان الفلسطينيين لادارة لعبة الانتظار التي جعلت من حكومة سلام فيّاض الخيار الوحيد المتبقي امام السلطة الوطنية…

