من مكتبه المطل على جادة سمالنسكيا وسط العاصمة الروسية موسكو، في واحدة من أضخم سبعة أبنية أنشئت في الحقبة الستالينية بين 1953 1949، يتابع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤشرات صعود الدور الروسي. ينتشي بعودة بلاده إلى الساحة الدولية وكسرها الأحادية القطبية، ممعًنا في ممارسة دبلوماسية خشنة لم يعرفها أسلافه في أشد مراحل المواجهة السوفياتية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. في تلك المرحلة اعتمدت موسكو السوفياتية مقاربة تجمع بين القوة والدبلوماسية لحماية مصالحها الخارجية إبان الحرب الباردة. فحملت مبدأ “صافح بيد واحمل الحجر بيد أخرى”. وعلى الرغم من الفوقية التي يتعاطى بها لافروف، والتي تجمع ما بين العنجهية القيصرية والقبضة السوفياتية، فإنه مسكون بهاجس رد الاعتبار إلى ربع قرن من التهميش، فقدت خلالها الدولة الروسية هيبتها ودورها القيادي على المستوى الإقليمي والدولي.
فبعد مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو، يخوض سيرغي لافروف معركة دبلوماسية بهدف استعادة حقوق بلاده التي ضاعت منذ قرن تقريًبا، لتعويض تداعيات الخطأ التاريخي الذي ارتكبه زعيم البلاشفة فلاديمير لينين بعد سيطرته على السلطة في روسيا سنة 1917، إذ قرر لينين حينها كشف ونشر وثائق سرية متعلقة بالحقبة الاستعمارية الروسية، كان من أهمها الاتفاق الذي توصل إليه وزير خارجية القيصر سيرغي سازونوف مع الدبلوماسي الفرنسي فرنسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس ما بين 1915 و1916 من أجل تقاسم التركة العثمانية. تلك الوثائق بالنسبة إلى لافروف دليل إضافي على حجم النفوذ التاريخي الذي تمتعت به روسيا عبر العصور، وهو ما يكرس حقها وسعيها وراء استعادته.
ومع كل ما يشاع ويحاك حول إعادة التشكل الجيو سياسي لسايكس بيكو، يغرق لافروف في البحث في تفاصيل تلك الحقبة. فيعيد قراءة المراسلات التي جرت بين بطرسبرغ ولندن وباريس، بين عامي 1915 و1916، ويتوقف طويلاً عند أربع مذكرات، رسمت تاريخ الشرق الأوسط منذ قرن وإلى الآن. ففي المذكرة المؤرخة في الرابع من مارس (آذار) 1915، التي أرسلها وزير خارجية القيصر سازونوف إلى السفير البريطاني بيوكنن والفرنسي باليو لوغ في بطرسبرغ، تضمنت قائمة المطالب الروسية حول تقسيم التركة العثمانية. طالبت بضم القسطنطينية والساحل الغربي للدردنيل والبوسفور وبحر إيجه، إضافة إلى جزء صغير من الأناضول ما بين مضيق البوسفور ونهر صقرية. في الثاني عشر من مارس، جاء رد السفير البريطاني على مذكرة سازونوف بالموافقة، شرط تلبية المطالب البريطانية والفرنسية في الأراضي والولايات العثمانية بعد انتصار الحلفاء في الحرب. رد سازونوف في 22 مارس بالموافقة على بعض المطالب البريطانية الهامشية، خصوًصا تلك المتعلقة بتقاسم النفوذ على إيران وإبقاء أوستان، أصفهان، ويزد كأراض محايدة، وفًقا لاتفاقية بطرسبرغ الموقعة بين الإمبراطورية الروسية وبريطانيا العظمى سنة 1907. أبلغ سازونوف شفوًيا في 10 أبريل (نيسان) بموافقة السفير الفرنسي على المطالب الروسية، لكنها مشروطة بالموافقة الروسية على الشروط التي وضعها السفير البريطاني، وعلى أثرها بدأت الجهات الثلاث الإعداد لاتفاقية ثلاثية لتقاسم التركة العثمانية، التي لولا الثورة الشيوعية كانت ستعرف باتفاقية سازونوف سايكس بيكو.
لافروف، الذي يهوى رسم اللوحات الانطباعية في أوقات فراغه، يعلم أن حدوًدا في هذا الشرق قد تلاشت، ولا يخفي أّن بلاده تحاول العودة لتكون شريًكا مضارًبا في رسم خرائطه الجديدة المتعرجة الاتجاهات، المقطوعة حيًنا والموصولة حيًنا أخرى. هي حدود تفرزها الاصطفافات المذهبية والإثنية، وجدران ترتفع لتخفي خلفها هويات قاتلة متقاتلة لمكونات مشغولة بالبحث عن عمقها، لا عن جوارها، وشعوب عادت إلى قبائلها، كخيار مرتبط بالمصالح الخاصة للجماعة الطائفية أو القومية. لكنه يدرك أّن قدرة روسيا على احتواء أو حتى إدارة هذه العصبيات محدودة، وليس أمامها متسع من الوقت. فأمامه أقل من سنة ليجد شريًكا دولًيا يقترن اسمه باسمه كما اقترن سايكس وبيكو، ليعوض خسارة سلفه سازونوف، في حين المهمة أكثر صعوبة وتعقيًدا في مرحلة تشهد صعوًدا سعودًيا تركًيا وتأهًبا إيرانًيا، وصراًعا دولًيا وإقليمًيا، لحجز مقاعد على طاولة التسويات بانتظار عودة اللاعب الأميركي.

