محاولة لاغتيال سمير جعجع جسدياً بالقنص المباشر. ومحاولة لاغتيال وليد جنبلاط سياسياً بمشروع النسبية. ومحاولة لاغتيال سعي 14 آذار إلى الانتخابات بشكل طبيعي من خلال تسريب خبريّات عن لوائح بأسماء لشخصياتها معرّضة للتصفية. وفي المحصلة العامة، محاولة مستمرّة ومستجدّة ومجدّدة لا تعرف الكلل، لإحكام السيطرة على "الساحة" اللبنانية وإبقائها متنفساً للسلطة المحاصرة في دمشق، وامتداداً للسلطة الطموحة في طهران، ومرتعاً لحلفاء الطرفين محلياً.
والحال، انّ حرارة تدبّ شيئاً فشيئاً في الحرب الأهلية اللبنانية الباردة.. لأنّ هناك مَنْ لا يزال يقيم عند مشروعه النافي لأي حضور سياسي معاكس. والرافض لقبول أي منطق وطني صاف. والمتبرّم من أي جدال يطال خياراته وحساباته و"مقاوماته"، والناوي على الشر لأنّ البحث عن الحقيقة يزعجه، والسعي وراء العدالة يقضّ مضاجعه ومهاجعه.. والشراكة في عُرفه ورأيه وبيانه وأدائه لا تعني إلاّ تسليم الآخرين بأوامره والانصياع التام لرغباته ومتطلباته، والركون الهادئ لسياساته!
وللمرّة الثالثة تتكرّر السالفة الإلغائية والإقصائية: قبل انتخابات العام 2005 اغتيل رفيق الحريري لأنّه، من بين أمور أخرى كثيرة واستراتيجية، كان سيحصد (وحصد!) ثقلاً نيابياً حرزاناً ومقرِّراً. وقبل انتخابات العام 2009 لعلع كلام التهديد والوعيد من أعلى الهرم الممانع إلى أسفله، تحت ستار محاربة المحكمة الدولية لتعطيل العمل الانتخابي الطبيعي.. ضَرَبَ الاضطراب الأمني وضرورات الوقاية اللازمة حركة قيادة 14 آذار، لكن من دون أن يعطّلها ويمنعها من تجديد انتصارها الانتخابي. واليوم، قبل انتخابات العام 2013، تدور تلك الماكينة مرّة جديدة على الوقع ذاته والسياق ذاته، ولجملة أهداف أبرزها بطبيعة الحال، التحكّم بموازين القوى في البرلمان المقبل.
في المرّات الثلاث، وما بينها من محطات سياسية كبيرة وصغيرة، وتفصيلية فرعية وعامة ورئيسية، لم يعنِ ذلك الأداء بالأمس، ولا يعني اليوم، إلاّ الإصرار المَرَضي على محاولة استيراد نمط حكم خارجي وتسويقه في لبنان باعتباره منتجاً محلياً.. والعودة إلى البدايات تحدّد أحكام النهايات: لم يصل "البعث" السوري إلى السلطة بالانتخابات وصناديق الاقتراع، ولم تستمر السياسة الإيرانية النجادية نتيجة الاحتكام الى أصوات الإيرانيين بل نتيجة لإلغاء تلك الأصوات، وبالتالي من "الطبيعي" لامتدادات هاتين السلطتين، في لبنان، أن تحاول اعتماد القياس ذاته، رغم عقم المحاولة ومأسويتها وكارثيتها على الفاعل والمتلقي، ورغم النتائج التي أدّت إليها انتخابياً وعلى دفعتين متتاليتين! ورغم المستجدّ السوري الزلزالي وغير المسبوق.
هناك في الإجمال، حالة ممانعة تمعن في الأفول، وتناتع لتأخير ذلك الاستحقاق، من سوريا إلى ما هو أبعد منها. وأخطر ما في مناتعتها، يقينها من عدم قدرتها على لجم الطوفان بعد انهيار السدّ.. واليأس هنا، سلاح دمار شامل: حرب أهلية مفتوحة في سوريا. وحرب سياسية مفتوحة داخل النظام الإيراني، وبينه وبين الإصلاحيين معطوفة على تسعير وجار حرب أهلية إسلامية، فيما الأتباع محلياً، يرمون الحطب تحت مرجل الحرب الأهلية اللبنانية علّه يغلي مجدداً.. و"حطبهم": تارة محاولة اغتيال جعجع، وطوراً محاولة تغييب جنبلاط، ودائماً محاولة منع الرئيس سعد الحريري من "تثليث" انتصاره الانتخابي عليهم وعلى انقلابهم!.

