انتظر «تيار المستقبل بصقوره وحمائمه، أن يعود الرئيس سعد الحريري من غربته «الإرادية» ويخاطبهم من على منصة، في إحياء ذكرى الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي، غير أن انتظارهم ذهب سدىً، بعد أن وصلت إليهم أخبار غير سارة تفيد أن من ينتظرونه كسر ساقه خلال ممارسته هواية التزلُّج، وفي الوقت الذي خيَّب هذا الخبر آمال البعض من عامة المناصرين، فإنه بعث في الوقت ذاته السرور في نفس من يتبوؤون الدرجة الأولى في «التيار»، كونه أزاح عن صدورهم عبء إخفاقهم في تأمين الحشد المطلوب إلى ساحة وسط بيروت.
غير أن الحريري أسرَّ لمن التقاهم ممن سافروا إلى فرنسا للاطمئنان عليه، بأنه سيلاقيهم في بيروت قبل موعد احتفال «14 آذار»، من هؤلاء من صدّق هذا الوعد، ومنهم من قال في قرارة نفسه بأنه «وعد عرقوبي»، ومنهم من قال على «الوعد يا كمون»، وقد أخذ بعض النواب مبادرة الاعلان عن مواعيد لمجيء الحريري قبل 14 آذار، عندما يكون النظام في سورية قد تغيَّر، وتكون معه المعادلة السياسية في لبنان، قد تغيَّرت أيضاً».
اليوم هو الرابع عشر من آذار، والحريري ما زال في منزله الباريسي يخضع للراحة، وها هو النظام في سورية يشتد قوةً وعزماً وصلابةً في مواجهة الحرب العالمية التي تشن عليه من كل حدبٍ وصوب، وها هو جمهور «14 آذار» ينكفئ إلى القاعات بعد أن كان يتبجح باحتلاله الساحات، حيث ينتظر أن يقتصر الاحتفال على بضع مئات يحتشدون في إحدى قاعات الـ«بيال» حيث ستتلى عليهم وثيقة سياسية بمناسبة الذكرى السابعة لما يسمى بـ «ثورة الأرز»، كما أنهم سيشاهدون تقارير «فخمة» عن هذه الثورة التي لم يبقَ منها إلا الإسم حيث أن الازمات تنخر في عظم هذا التنظيم الذي يعيش تشتتاً على مستوى الخطاب السياسي وعلى المستوى المالي تحديداً.
وتؤكد مصادر عليمة أن الوضع التنظيمي داخل «تيار المستقبل» كما في المعارضة هو وضع غير سليم، وأن ما يجري بات يقلق الرئيس سعد الحريري الذي بذل جهوداً مضنيةً من أجل ترميم التصدّع الذي يضرب «التيار» من الرأس حتى القاعدة وأنه وصل إلى مرحلة الاعلان عن عجزه في إتمام هذه المهمة التي فشل في تحقيقها ابن عمته أحمد الذي حمل هموم «التيار» إلى فرنسا ووضعها في عهدة ابن خاله الذي شعر وكأن كرة نار وضعت بين يديه، لجهله في مقاربة مثل هذه القضايا التي طالما كان يعتمد في معالجتها على المقربين منه.
صحيح أن «ميني مهرجان» اليوم في «البيال» يحمل طابع التذكير بأن المعارضة موجودة، غير أن مضمون الكلمات سيكون حتماً خارج المدار اللبناني لعلم المتكلمين بأن الحديث في الوضع اللبناني بات تجارة خاسرة بفعل الوعي لدى الناس، وهم لذلك سيلجأون إلى اللعب على الوتر المذهبي والطائفي وسيصوِّبون في اتجاه سورية سعياً لاستجرار عطف الخارج قبل عطف الداخل مستغلين بذلك المناخات الراهنة التي تتحكم بالمشهد الاقليمي وعلى وجه الخصوص المشهد السوري.
غير أنه مهما علا صراخ الذين سيتوالون على الكلام اليوم، فإنه لن يتعدى الصراخ في وادٍ حيث لن تكون هناك آذان تسمع ولا أعين ترى بعد أن انكشف زيف هؤلاء الذين باتوا زعامات من ورق لا يمكن صرفها في أي ظرف من الظروف، سيما وأن الجميع بات على علم بأن المشرفين على التحضير للقاء «البيال» اليوم فشلوا في اللعب على الوتر الطائفي من خلال رفض نجل السيد هاني فحص القاء كلمة في المناسبة، وكذلك فشلوا في محاولتهم دعوه أي مسؤول في الحزب التقدمي الاشتراكي لإلقاء كلمة أيضاً، الهدف منها إشاعة أجواء بأن الحزب التقدمي قد عاد إلى عرين «14 آذار».
وفي تقدير المصادر، أن «تيار المستقبل» سيحاول التعويض عن إخفاقاته في محاولة جمع الناس في وسط بيروت، والتستر على تأثير الضربات المتتالية على رأسه الذي راح ينسحب سلباً على جمهوره في محاولة رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات» سمير جعجع جذب انتباه الناس إليه من خلال تضمين كلمته عبارات نارية في اتجاه «حزب الله» وسورية وعبرهما باتجاه ايران.
غير أن هذا الاسلوب بالتأكيد لن يعطي ثماره، خصوصاً وأن التصدع الحاصل في «جسم التيار الأزرق» وفي مكونات المعارضة بات أكبر من أن يستَّر عليه بعبارة قاسية ضد الخصم من هنا أو هناك، وأن انسحاب حركة اليسار الديمقراطي من احتفال «البيال» ربما يستنسخ عنه في مرات سابقة بالنسبة لأكثر من جهة، سيما وأن هذا «التيار» الذي بدأ مجده الإعلامي يأفل مع خطوة الدمج لمؤسساته وصرف العشرات لا بل المئات من موظفيه، بعد أن تراجع إلى أدنى مستوى حضوره السياسي لن يستطيع الصمود أكثر، وهو ربما يكون نجمه قد أفل، قبل أن يرى النظام في سورية قد حسم المعركة لصالحه، وقبل أن يرى محور الممانعة قد اشتد ساعده أكثر واصبح أكثر قدرة على الصمود والمواجهة.

