فيما التضخم يلف حباله على عنق المالية العامة المحاصرة بين العجز عن اقرار الموازنة وتسوية الانفاق الاضافي والاحتياجات المتزايدة، في ضوء حمى ارتفاع الاسعار والقفزات غير المسبوقة لاسعار صفيحة البنزين وسائر المحروقات رغم الرهان الجدي على تحول لبنان الى بلد نفطي، يبقى الانقسام السياسي سيد اللعبة، مع تفاقم تداعيات الاشتباك العسكري في المدن والارياف السورية، وتزايد نسب النازحين الى لبنان من مدنيين وغير مدنيين، في ظل تسابق الولايات المتحدة عبر سفيرتها مورا كونيللي للضغط على الحكومة لتوفير الملاذ الآمن للنازحين السوريين، وسوريا عبر سفيرها علي عبد الكريم علي لحث الحكومة على الالتزام بالاتفاقيات المعقودة، بما في ذلك تسليم الفارين الى الاراضي اللبنانية، الامر الذي فرض مشاورات رئاسية عاجلة قضت بتأجيل جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقررة اليوم الى يوم الجمعة، وعقد اجتماع لمجلس الدفاع الاعلى لمناقشة قضية النازحين السوريين الذين تعدوا المئات وربما الى الألوف.
وخرق هذا الترقب اعلان تيار "المستقبل" الوثيقة السياسية بعنوان: "تيار المستقبل وآفاق الربيع العربي"، والذي شكل دعوة مفتوحة للنقاش والحوار الداخلي انطلاقاً من مجموعة من الثوابت والمرتكزات الجامعة، عبر عنها رئيس التيار الرئيس سعد الحريري عندما دعا حلفاء سوريا في لبنان لاعادة النظر في مواقفهم قبل فوات الأوان، لان نظام الرئيس بشار الاسد والذي يقود حملة قاتلة على شعبه مصيره السقوط الحتمي، او عبر رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة الذي تلا الوثية، معتبراً ان العلاقات اللبنانية – السورية "لن تسير في الاتجاه الصحيح إلا اذا نجح التحول الديمقراطي في سوريا"، معتبراً ان "مخاوف البعض ينبغي ان تكون من نظام الاسد الذي وصفه بالاستبدادي وليس من زواله".
وشدد السنيورة كما جاء في الوثيقة على انه لا ينبغي ان يشهد لبنان صراعاً سنياً – شيعياً بل يجب ان يبقى نموذجاً للوحدة الوطنية والوحدة الاسلامية، معلناً انحياز "المستقبل" بأحرف كبيرة الى حقبة التغيير والتطوير الديمقراطي السلمي، تأكيداً لالتزامه بمبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان والنظام المدني، والتأكيد على اعادة الاعتبار للدولة الديمقراطية القادرة والعادلة والمدنية.
واوضح السنيورة، في معرض شرحه لاهداف الوثيقة، بأنها في احد وجوهها مبادرة منفتحة نحو الداخل اللبناني لتجاوز العقبات والصعوبات التي أعاقت النظام السياسي، وتسببت في الفرقة والاصطفاف بين اللبنانيين، مكرراً بأن يدنا ممدودة وقلوبنا وعقولنا وضمائرنا منفتحة للنقاش والحوار والتطوير لكي نكون جميعاً مع حركة العصر، عصر الشباب وعصر الحرية والديمقراطية في وجه الطغيان والاستبداد".
الحريري
وفي سياق الانفتاح نفسه، أكّد الرئيس الحريري في الكلمة التي افتتح بها احتفال إطلاق الوثيقة من "بيت الوسط" في حضور الرئيس أمين الجميل ونواب وشخصيات من قوى 14 آذار، أن المسلمين في لبنان ليسوا كياناً سياسياً مستقلاً بل هم ركن من أركان المعادلة الوطنية التي يُشكّل المسيحيون نصفها الأوّل.
وأشار الحريري إلى انه إذا كان هناك من بين اللبنانيين من يرى أن الشعب اللبناني لن يختار طريق الشعوب ويصر على أن يقرأ تطورات سوريا بعيون النظام الأعمى، فهذه قراءة أقل ما يقال عنها انها غير اخلاقية، مؤكداً أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وعلى أصدقاء النظام السوري في لبنان أن يعوا هذه المسألة، فنظام الأسد يستطيع أن يعيش لأسابيع عدّة أو شهور لكن الشعب السوري سيبقى إلى الأبد.
وطالب اللبنانيين بإعادة إنتاج مساحات وطنية للتلاقي لا تتحكم بها مفاتيح الاستقواء السياسي وعوامل الاستقواء الخارجي، مشيراً إلى أن الديمقراطية تحمينا جميعاً وهي ضمانة للعيش المشترك، لكنه شدّد بأن لا ضمانة الا ضمانة الدولة، ولا نرضى لأي جهة بأن تعطي نفسها حق الوصاية على العيش المشترك (…) اننا بمثل ما نرفض فعل الاستقواء بالسلاح والاحلاف الخارجية لفرض الشروط، نرفض كل اشكال الاستقواء بنبض الأكثرية لفرض أي نوع من أنواع الابوة على الحياة الوطنية".
مجلس الوزراء
تزامناً، كان مجلس الوزراء، قد غرق في مداخلات الوزراء في موضوع الحدود، في ضوء المعلومات الواردة عن تعاظم عدد النازحين السوريين، إلى جانب دعوة السفيرة كونيللي إلى حماية هؤلاء وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم تسليم الجنود الهاربين إلى النظام السوري، وبناء على هذه المناقشات، بادر الرئيس نجيب ميقاتي الذي ترأس الجلسة في السراي، إلى الاتصال برئيس الجمهورية ميشال سليمان، وتم الاتفاق على دعوة المجلس الأعلى للدفاع إلى الانعقاد في الرابعة والنصف من بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا، لتقييم الأوضاع، وإعطاء التوجيهات اللازمة للمؤسسات الأمنية والقضائية لتقوم بالخطوات المطلوبة لضمان الاستقرار، ولمنع أي فلتان من خلال المزيد من التنسيق في ما بينها، حسب ما جاء في المعلومات الرسمية للجلسة، والتي اكد فيها المجلس حماية حرية المعتقد والتعبير عن الرأي، ودعا القوى السياسية اللبنانية إلى الارتقاء إلى مستوى المسؤولية والابتعاد عن الخطاب الذي يثير الغرائز والنعرات ويعرّض الوحدة الوطنية ومصالح اللبنانيين للخطر، ويترك انعكاسات سلبية على علاقات لبنان بالدول الشقيقة والصديقة في هذه المرحلة الصعبة".
وفي ردّ شبه مباشر على تصريحات كونيللي، ذكّر المجلس الهيئات الديبلوماسية العاملة في لبنان، بضرورة احترام معاهدة فيينا، حرصاً على انتظام العمل على القواعد المعمول بها دولياً تجنباً لأي تجاوز لها قد يؤثر على علاقات لبنان مع أي جهة.
وكان سبق الجلسة اجتماع بين الرئيسين سليمان وميقاتي في بعبدا، تركز فيه البحث على مشروع القانون الذي أعدّه وزير المال محمد الصفدي لتسوية النفقات المالية بين 2006 و2010، ومشروع مرسوم لإعطاء وزارة المال سلفة خزينة بقيمة 8900 مليار ليرة لتغطية النفقات العامة لهذه السنة. واتفق بناء على ذلك عقد جلسة ثانية لمجلس الوزراء اليوم لإقرار البندين إلى جانب بنود أخرى بلغت 30 بنداً، إلا أن الرئيس ميقاتي، وفي خطوة وقائية عاد وقرّر بعد التشاور مع الرئيس سليمان على إرجاء الجلسة الى صباح غد الجمعة، لكي لا تحصل إشكالات مع الوزراء في توزيع جدول الأعمال الذي يفترض أن يتم قبل 48 ساعة من موعد الجلسة.
ويتضمن الجدول، إلى جانب مشروع القانون ومشروع المرسوم، بنوداً أخرى معظمها يتناول مشاريع مراسيم بنقل اعتمادات إلى عدد من الوزارات، وعرض وزارة الخارجية لوضع مبنى قصر بسترس المهدد بالسقوط، وعرض وزارة الطاقة والمياه الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه.
ولفتت مصادر وزارية إلى أنه إذا تم إقرار المشروعين، فإنه بالإمكان القول أن تسوية المليارات قد نضجت وخاصة إذا تم إقناع النائب ميشال عون بالصيغة – المخرج، مشيرة إلى توزيع أدوار بين بعبدا والسراي وساحة النجمة لتوفير المناخات المناسبة لجلسة الغد وعدم محاصرة الحكومة بتفاعلات الخلاف المجلسي حول ملف الإنفاق المالي.
وقالت المصادر إن طرح مشروع قانون تسوية الإنفاق المالي، إلى جانب اقتراح كتلة "المستقبل" من شأنه أن يؤسس للمخرج، إلا أن هذا الأمر ما زال يحتاج إلى موافقة من كتلة عون والذي يرفض دمج الشأنين معاً، ويطالب بقطع حساب عن السنوات الماضية، وبالتالي، فإنه في الإمكان عبور الجلسة النيابية المقررة في 15 آذار الحالي بسلاسة، وإلا فإن الرئيس بري سيكون مضطراً للبحث في ما تبقى من بنود على جدول عمال الجلسة، بعد ان يصار الىابعاد الشأن المالي من جدول الاعمال، بانتظار ابتداع تسوية لملفي المليارات.
التعيينات
إلى ذلك، تحدثت مصادر مطلعة عن اتجاه لاقرار دفعة من التعيينات الادارية المتوافق عليها في جلسة الحكومة غداً، مستبعدة المعلومات التي تحدثت عن تعيين رئيس لمجلس القضاء الاعلى، مؤكدة بأن الجزم في هذه الاتجاه يبدو مبكراً جداً، الا ان مصدراً حكومياً استبعد لـ "اللواء" ان تكون هناك حركة تعيينات غداً، رغم ان النقاشات حولها أرست بدايات تفاهم اساسي حولها، انطلاقاً من المناخ الذي اشاعه اجتماع بعبدا بين الرئيس سليمان وعون في حضور البطريرك بشارة الراعي الذي كان أبدى استياء من الاستمرار في الشواغر في مراكز الادارة.
وقالت مصادر وزارية تقاطعت معلوماتها مع معلومات زوار بكركي ان اللقاء قرّب المسافة بين الرجلين، والذي قد يؤدي إلى خروج التعيينات من عنق الزجاجة، ومرحجة ان يصار إلى اصدار دفعة تعيينات في المراكز المتفق عليها وفق الآلية المعتمدة في جلسة الاسبوع المقبل على ان تصدر التعيينات الاخرى، ولا سيما في رئاسة مجلس القضاء الاعلى والهيئة العليا للتأديب، وعمداء الجامعة، هي لا تخضع للآلية بعد التفاهم عليها بين المعنيين.

