كلما اقترب موعد الجلسة العامة لمجلس النواب المقررة الإثنين المقبل، زاد منسوب الاستنفار والتوتر السياسي. ومع أنه لا صوت يعلو على صوت المليارات، إلا أنه لم يتبين حتى الآن كيف ستعالج هذه المسألة، وأي مخرج سيعتمد لمشروع الـ8900 مليار ليرة، وكيف ستقارب الـ11 مليار دولار؟ هل سيتم التوصل إلى مخرج أصلا؟ وهل الأكثرية ستكون قادرة على ممارسة أكثريتها للمرة الأولى في مجلس النواب؟ ثم، هل ستنفذ «14 آذار» تهديدها بمقاطعة الجلسة؟
يتردد أن كل «فاعلي الخير» يركزون اهتمامهم في اتجاه إيجاد مخرج مناسب. وأول الساعين إلى التسوية هم وسطيو الأكثرية, فبعدما حشدوا نوابهم في الجلسة الماضية لإقرار مشروع الاعتمادات الإضافية، صاروا اليوم يفضلون «حل السلة» الذي يقفل كل الملفات تحت شعار «عفا الله عما مضى».
وفيما لم يتبين بعد كيف سيدير الرئيس نبيه بري دفة الجلسة، بعدما سبق أن أكد الأسبوع الماضي رفضه السير بالمشروعين معاً، يتردد في المعارضة أن الاتفاق ما يزال ممكناً، على قاعدة تقديم الأكثرية للضمانات التي تسمح بالسير في مشروع الاعتمادات في جلسة الاثنين، شرط تحديد آلية الحل للـ11 ملياراً بشكل دقيق.
أما الأكثرية فلا تبدو مستعدة للربط بين الأمرين وتحديداً «حزب الله» والتيار الوطني الحر، اللذين يصران على ممارسة الأكثرية لأكثريتها وإقرار القانون الذي «أشبع نقاشاً في لجنة المال والموازنة وبمشاركة نواب 14 آذار الذين أيدوه في اللجنة، قبل أن يعودوا ويتراجعوا عن موقفهم، وينجحوا في منع إقرار القانون خلال العام 2011، تمهيداً لتسويق «المساواة في المخالفة»».
بدا جليا، أمس، أن الوسطيين مالوا إلى كفة «الجمع»، وبعدما سبق وأيد الوزير محمد الصفدي الحل الشامل، أكد الوزير غازي العريضي لنا أن جبهة النضال تعمل للتسوية حتى لو أخذت المزيد من الوقت، متجنباً الإجابة عن سؤال يتعلق بمشاركة الكتلة في جلسة الإثنين في حال لم يتم الوصول إلى تسوية. في المقابل، فقد كان رئيس لجنة المال ابراهيم كنعان واضحاً في تأكيده لـ«السفير» أن الجلسة تشكل امتحاناً جدياً لصدقية هذه الأكثرية ومدى احترامها للأصول الدستورية.
ورداً على إعلان «14 آذار» عن مقاطعة الجلسة في حال إصرار الأكثرية على السير بمشروعها، أكد كنعان أن أي خطوة من هذا القبيل لن تكون إلا مشاركة فعلية بكل ارتكابات وفساد المرحلة السابقة، مشيراً إلى أن على من يدعي الحرص على المؤسسات عندها، أن يتحمل المسؤولية أمام الناس.
نزلت «14 آذار» الى الحلبة أمس، بكامل عتادها النيابي وبقيادة مباشرة من الرئيس فؤاد السنيورة، الذي أعاد التحذير من «النفخ بنار التصعيد واجتزاء الحل وفتح الباب أمام المزايدات السياسية والشعبوية التي لا طائل منها والتي تؤثر سلبا على اقتصاد لبنان وعلى سلمه الأهلي».
كانت المنصة جامعة، والحضور كان مكتملاً من جانب نواب «المستقبل» وأعادت الصورة إظهار لحمة المعارضة بعدما أظهرت جلسة الهيئة العامة الأخيرة الحرج الكتائبي – القواتي، الرافض للسير خلف «المستقبل» خاصة في ما يتعلق بالملف المالي.
كانت الرسالة أمس أقوى: قالها النائبان جورج عدوان وبطرس حرب قبل السنيورة: سنقاطع الجلسة ما لم يناقش المشروعان معاً. صدى هذه الرسالة غطى على الـ«لكن» التي ردداها وأكدا فيها حرصهما على رفض أي تسوية تؤدي إلى غض النظر عن التدقيق والمحاسبة والمساءلة.
أكثر ما اعتمد عليه السنيورة أمس لدحض «النكتة السمجة» للأكثرية بعدم وجود قيود ومستندات لما صرف في عهده كان تصريحات وزير المالية محمد الصفدي المترددة حول وجود القيود لمبلغ الـ11 ملياراً.
لم يستسغ وزير المالية استشهاد السنيورة بما قاله، على ما يبدو، فأوضح أمس في بيان أن الحديث عن القيود العائدة للحسابات يقتصر فقط على نفقات الموازنة ولا يشمل كامل الإنفاق الذي تم من خارجها. وعلى الرغم من أن هذه الإشارة كافية للتأكيد أن ثمة خللاً ما في حسابات السنوات من 2006 إلى 2010، إلا أن «السفير» حصلت على مستند رسمي موقع من وزير المالية، كان قد أحاله إلى لجنة المال بناء على طلبها، في 26 كانون الثاني الماضي، يؤكد فيه حرفياً أن «حسابات الأعوام من 2001 ولغاية 2010 هي عبارة عن موازين سنوية بدون المستندات الثبوتية والبيانات». قبل أن يعود ويشير إلى أن «مديرية المحاسبة العامة بدأت مؤخراً باستلام بعض هذه البيانات».
وهذه النقطة سبق وتناولها النائب عباس هاشم في أول رد على السنيورة، في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب، حيث دعا إلى عدم الخلط بين وجود قيود وبين وجود مستنداتها الثبوتية غير المتوفرة، مذكراً بأن وجود القيود هو الذي سمح للرئيس نبيه بري أن يكتشف قصة الـ11 ملياراً.
أما كنعان فاستغرب «إصرار السنيورة على طلب براءة ذمة عبر الإعلام وليس من خلال احترام الأصول الدستورية والبرلمانية». وأكد أن «المطلوب اليوم حسابات لا إجازات وهمية لإنفاق ما أنفق فعلياً منذ خمس سنوات». وذكر أن الحديث عن الإنفاق القانوني تدحضه القرارات القضائية الصادرة عن ديوان المحاسبة والتي وصلت إلى 15 قراراً.
وفي هذا السياق، تختصر أوساط في وزارة المالية المشهد بالتذكير بالورقة التي أرسلتها وزيرة المالية السابقة ريا الحسن للحكومة لإقرارها بوصفها قطع حسابات السنوات من 2006 و2009، لتخلص إلى أن هذه الخطوة المستخفة بالقوانين جاءت لتؤكد أن لا حسابات لكل ما أنفق، وأن ثمة من أراد طمس الحقيقة، علماً أن هذه الإرادة عادت وظهرت لاحقاً عندما دعا النائب غازي يوسف إلى تصفير الحسابات.
وبحسب تلك الاوساط فإن ثمة تشابهاً بين صرف الـ11 مليار دولار والـ8900 مليار لناحية عدم حصول الحكومات على إجازة بالصرف من السلطة التشريعية، إلا أنها تختلف في ما يتعلق بكون الـ8900 مليار ليرة قد نسّبت بشكل دقيق وعرفت وجهة إنفاقها، كما أقرت في لجنة المال والموازنة وفق الأصول، في حين يكتفي السنيورة في ذكر أرقام عامة غير منسّبة لصرف الـ11 ملياراً، التي يجب أن توضع في اعتمادات واضحة.
وبدورها تذكر مصادر الأكثرية رداً على «تساوي المخالفة بعد انقضاء العام 2011» أن الحكومة قامت بواجبها وأرسلت مشروع الاعتمادات الاستثنائية ضمن الفترة الدستورية، ولم تقر حتى الآن لأسباب سياسية بحتة. ومع هذا يؤكد المصدر أن قانون المحاسبة العمومية في المادة 12 يجيز بصورة استثنائية فتح اعتماد في موازنة ما قبل تصديقها. أي إن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كانت تقوم بعملية قانونية عبر فتحها اعتمادات قبل إقرار الـ8900 مليار ليرة.
المطلوب بالنسبة للـ11 ملياراً، بحسب المصادر، هو إنجاز حسابات المهمة وقطع الحسابات، التي لم تستحق بعد على صرف العام 2011. وبالتالي فإن القول بدمج المشروعين هو تعمية على الحقيقة وهروب من المسؤولية.
لكن أوساط «المالية» تبدو أكثر وضوحاً باعتبارها أن ما تقوله الأكثرية عن مشروع اعتمادات 2011 كان يمكن أن يكون صحيحاً وغير مخالف للقانون لو أقر المشروع في العام نفسه. ومع ذلك فهي تفرق بينه كمخالفة للقانون وبين تشريع الـ11 مليارا الذي يعتبر مخالفاً لمادتين دستوريتين إضافة إلى مخالفته لقانون المحاسبة والنظام الداخلي لمجلس النواب، إذ لا يمكن أن يقدم المجلس على خطوة هي في صلب عمل السلطة التنفيذية (اقتراح القانون الذي تقدم به النائبان غازي يوسف وجمال الجراح).
وتوافق الأوساط على أن الهدف من وراء الإصرار على تشريع صرف سابق، هو تبرئة ذمة الحكومات السابقة، لأنه وإن كانت المعارضة على حق في تأكيدها أن التشريع لا يعفي من التدقيق، إلا أنه، وهذا الأهم، يعفي الوزراء من المسؤولية التي ترتبت عليهم جراء عقدهم للنفقات بدون إجازة من مجلس النواب.
ولهذا، لا يرى المصدر أي جدوى من تشريع أي صرف سابق، انطلاقاً من مبدأ سنوية الموازنة، داعياً إلى انتظار إعداد الحسابات ومن ثم التدقيق الذي سيحدد المسؤوليات. وتضيف حتى ذلك الحين، ما على مجلس النواب، ليعيد الانتظام إلى مالية الدولة، إلا أن يعدل المادة 87 من الدستور بما يسمح، استثنائياً، بإقرار موازنة 2012 من دون قطع الحساب.

