بعثت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في خطابها أمام مجلس الأمن الدولي رسالة تطمين للأقليات في سوريا وذكرت بالإسم العلويين والمسيحيين والدروز. اعتبرت أن الديموقراطية ستوفر مشاركة جميع فئات الشعب وأن سوريا هي لشعبها وليست لأية فئة من دون أخرى. لا شك في أن المسألة جدية وتستحق الاهتمام خاصة حين يتزايد الحديث عن مخاطر الحرب الأهلية وما قد يفهم من ذلك النزاع بين الجماعات الطائفية. لم يعد ممكناً تجاهل انقسام المجتمع السوري مع تصاعد العنف الشامل وتهديد السوريين جميعهم بأمنهم وأرزاقهم ومستقبلهم وعيشهم الواحد.
هناك من يشبّه سوريا اليوم بلبنان في العام 1975 حيث حكم الأقلية وسعيها إلى استنفار جمهور طائفي دفاعاً عن نظام امتيازاتها. وهناك من يعتقد أن النظام في سوريا يضمن مصالح الأقليات وحرياتها أمام احتمالات هيمنة أكثرية طائفية ناشطة وصاعدة. نخشى أن يكون هذا الفهم التبسيطي سبباً لرهانات تحوّل الهواجس والمخاوف حتى لو كانت مشروعة إلى خيارات سياسية.
من المؤكد أن أوجه الشبه قائمة من حيث استئثار نخبة سياسية اقتصادية بالقرار الوطني تفرض ظلها على بيئة أوسع من المصالح تتخللها عناصر القرابة واللحمة الطائفية. يستحيل عملياً أن تكون جماعة طائفية تتمتع بالسلطة وحدها ولو أن بعض الامتيازات المادية والمعنوية تصيب فئات منها. إن مسار تكوين السلطة غير الديموقراطي حمل فئات مهمشة جهوية ريفية أو أقلوية طائفياً إلى مركز السلطة وغالباً ما كان ذلك مرتبطاً بعزوف الآخرين عن القيام بدورهم الوطني لأسباب مختلفة.
أي جهة سياسية تستولي على السلطة تحاول أن تنشئ من حولها أفكاراً تبرّر هذه السلطة وتقوّي ركائزها. لم تستوعب القومية اللبنانية مصالح جميع فئات الشعب اللبناني، ولم تستوعب القومية العربية جميع مصالح الشعب السوري بعد أن صارت هذه وتلك وظيفة لإيجاد شرعية لا تتفق وانكماش المصالح الوطنية وتمركزها في قبضة النخب الحاكمة سياسياً واقتصادياً. إن التفسير المتبادل لسلطة كهذه ولمعارضتها على أساس طائفي انطلاقاً من بعض أشكال التمييز في غياب المواطنة والديموقراطية لا يكفي لفهم علاقة السلطة والمجتمع وعلاقة الجماعات الطائفية بعضها بالبعض الآخر. لا يوجد في سوريا تحالف أقليات ولا علاقة عضوية بينها في مواجهة أكثرية معينة وبالعكس. هناك توزيع متفاوت للسلطتين السياسية والاقتصادية على كل الفئات تحت سقف مركزية سياسية صارمة تنحصر في عدد قليل من النافذين في السياسة والأمن. في سوريا جرى التساهل في الشراكة الاقتصادية مع اتساع حاجات النظام والانفتاح الليبرالي مقابل التشدد في رقعة المشاركين بالقرار السياسي. هذه الظاهرة كانت ممكنة مع الخيار الشعبوي وتأسيس قاعدة النظام على فئات الطبقة الوسطى وما دون ولم تعد ممكنة مع الأضرار الهائلة التي أصابت هذه الفئات الاجتماعية مع المشكلات الاقتصادية من بطالة وفقر وتدهور الأوضاع المعيشية ورداءة الخدمات وفساد الإدارة واتساع الفوارق بين الطبقات. القيادة الفردية الكاريزمية المحاطة بهالة من التقديس التي بُنيت على بعض المنجزات التي صارت بعيدة في التاريخ خلال أربعة عقود لم تعد تقدّم للأجيال الجديدة أية إغراءات أو إنجازات سوى الوعود غير المحققة من الإصلاح والتقدم والقوة. لقد صارت هذه العناوين منتهية الصلاحية في ضوء مطلب الحريات والمشاركة وفي ضوء التراجع المتدحرج للدور الإقليمي الذي يحمل لافتة قومية. لا شك في أن جزءاً مهماً من الشعب السوري مستنفر ضد أي تدخل خارجي وضد أي عنف أهلي أو طائفي وثقافة العنف والطائفية، وهو يتمسّك بوحدة سوريا واستقرارها ودورها في القضايا العربية. لكن هذا الجمهور العريض الذي يصدمه بقوة تعرّض سوريا لهذه التحديات في الداخل والخارج تسيطر عليه هواجس لها علاقة بالمشهد العراقي أو اللبناني وكذلك لها علاقة بإسقاط النظام المدني أمام التيارات السياسية الدينية المتشددة الأصولية.
هنا تصبح مشكلة ما يسمى الأقليات مطروحة من زاوية التهديد الأمني واحتمالات التضييق على الحريات العامة والفردية أكثر ممّا هو فرضية الحفاظ على الوضع القائم والخوف من الديموقراطية وهيمنة الأكثرية. إن العنف الرسمي والعنف المضاد والتهويل الدولي والمداخلات الخارجية كلها عناصر تغذي القلق من الانزلاق في طريق الحرب الأهلية ومن تفكك الدولة السورية ومن أشكال التقسيم المقنّن أو غير المقنّن ومن ثمن ذلك لرسم حدود الجماعات وجغرافيتها ودورها في السلطة المركزية إذا أُعيد تكوينها كما في العراق ولبنان. المسألة هنا ليست حتمية، بل هي رهن إرادات الجهات الفاعلة في الداخل والخارج وقدرة الأطراف على إيجاد مخارج سياسية توفر الضمانة للأقليات والمشاركة للأكثرية في إطار نظام سياسي منفتح متحرر من آليات التسلط قانونياً وواقعياً.
سوريا خلال أربعة عقود لم تكن «دولة قانون» بل دولة تحكم بواسطة قانون يقصي فئات واسعة من الشعب عن السلطة وعن المشاركة فيها. كان ذلك نظرياً بواسطة الدستور وحكم الحزب الواحد وكان بفعل الواقع النخبة المنسلخة عن مجتمعها وعن حزبها وعن قاعدتها الشعبية والمتربعة فوق المجتمع وعلى أنقاض حيويته وحريته وتنوعه وفاعليته. انسدّت الآفاق ليس فقط أمام تداول السلطة بل أمام التأثير فيها عبر قنوات ومؤسسات كانت تحظى بالشرعية الشعبوية في ما مضى وفقدتها مع نمو المجتمع وتطوره وتطور حاجاته. السوريون اليوم يبحثون عن نظام يوفر الأمن والاستقرار والكرامة الوطنية ويوفر في الوقت ذاته حقوق المواطنين وتكافؤ الفرص والقدرة على التقدم الاجتماعي والحرية. قد تتفاوت أولويات مطالب فئات مختلفة من الشعب السوري وترجّح هذه الفئات خيارات على أخرى، لكن ما هو محل اتفاق واسع أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والإقرار بالتعددية والمشاركة والحريات هي مشتركات لا بقاء لسوريا من دونها، ولا يجوز بالتالي وضع هذه المشتركات في موضع الانقسام التناحري.
حين نفكر بأزمة سوريا نفكر بالشعب وبالدولة ولا نفكر بالنظام ولا بمصير المسؤولين عن هذه الأزمة الوطنية. هناك بشر أفراد مسؤولون أصحاب قرار عن الأزمة بمكوّناتها الداخلية وتداعياتها الخارجية. ولا يعقل تحت أي ذريعة أن يرتبط مصير وطن ولا حتى جماعة بمصير أي فئة حاكمة، وعلى هذه الفئة أن تجد الحلول السياسية والمخارج الوطنية التي تحفظ الدولة والمجتمع. لم يكن العنف يوماً حلاً لمشكلات أصبح واضحاً أنها مركّبة من عدة عناصر ومن عدة تراكمات وتفاعلات اجتماعية وسياسية وثقافية. ولسنا نفترض أن الثورة هي متراس للشعب من هنا ومتراس للسلطة من هناك وتقع المواجهة بينهما.
الشعب هو جملة فئات اجتماعية والسلطة لم تكن يوماً معلقة في الهواء. فهل سيجد السوريون، أي مجموع الشعب وجمهور السلطة طريقاً لحل سياسي وطني أم إنهم سيخضعون بعد الإنهاك المتبادل لتسوية من خارج بالتأكيد على حسابهم وحساب سيادتهم!؟ هذا هو القرار التاريخي، فمن يملك شجاعة اتخاذ هذا القرار.

