ينتظر ان يكون مطلع آذار المقبل، «في حَدّه الحَدُّ بين الجدِ واللعبِ» في شأن مستقبل العلاقة بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وفريق 8 آذار وحلفائه ضمن الاكثرية الحاكمة، وكذلك في شأن مستقبل «حكومة كلنا للوطن، كلنا للعمل». إذ يستحق في ذلك التاريخ إنتهاء صلاحية البروتوكول المعقود بين الحكومة اللبنانية والمحكمة، ما يفرض التجديد له أو تعديله او إلغاؤه، وهو ما يفترض ان يحسم المعنيون الموقف منه، في ظل حديث عن إتفاق تم على طرحه على التصويت في مجلس الوزراء، يقابله حديث آخر يقول أن هذا البروتوكول يبقى سارياً ولا يحتاج الى تجديد، لأن المحكمة مُنشأة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
قبل ثلاثة أيام من لقائه الأخير مع رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون انعقد لقاء بين الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وبين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي دام ساعة ونصف ساعة وأُبقي بعيداً عن الأضواء بناء على رغبة الطرفين اللذين لم يجدا مصلحة في الإعلان عنه وتلافياً لأي تفسيرات سلبية تُعطى له، خصوصا وأنه جاء بعد أيام من قرار رئيس الحكومة تمويل المحكمة خلافا لراي فريق 8 آذار و"التيار الوطني الحر".
ووفق معلومات بعض من تسنى لهم الاطلاع على فحوى هذا اللقاء، فإنه تخللته مصارحة ومكاشفة، لتتحول الى ما يشبه إستعراضاً للمراحل والمحطات التي مرت بها العلاقة بين ميقاتي والأكثرية عموما وبينه وبين "حزب الله" خصوصاً، منذ تأليف الحكومة، وذلك تهديد رئيس الحكومة بالاستقالة الذي سبق تفرّده بقرار بتمويل المحكمة من الحساب الخاص بالهيئة العليا للاغاثة في مصرف لبنان من دون المرور بمجلس الوزراء إلتزاماً لإتفاق مسبق بينه وبين المعنيين يأخذ في الإعتبار أنه ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط يؤيدون هذا التمويل، ولكنهم لا يملكون الأكثرية الوزارية المطلوبة لإقراره.
وتفيد معلومات التي رشحت من محضر اللقاء بين ميقاتي ونصرالله، أن رئيس الحكومة سمع عتباً كبيراً على تفرُّده بتمويل المحكمة الى حد القول له أنه "نَكَثَ وغَدَر"، وتم تذكيره بأن الاتفاق بينه وبين قيادة حزب الله وبقية الحلفاء المعارضين لتمويل المحكمة كان أن يُبادر الى عرض هذا الملف في مجلس الوزراء، فتصوّت الاكثرية الوزارية المعارضة لهذا التمويل وللمحكمة اصلاً، ضده خلافاً لرغبته، وعندها يكون في حل من أي إحراج امام المجتمع الدولي وبعض العواصم الكبرى التي التزم امامها تمويل المحكمة لأن الاكثرية الوزارية صوتت ديموقراطيا ضد هذا التمويل.
نصيحة برّي
وقيل لميقاتي في اللقاء ايضا انه كان وعد بالتزام هذا المخرج وطلب من المعنيين ان يتركوا له أمر تحديد الظروف الملائمة لذلك، ولكنه فاجأهم بتهديد جدي بالاستقالة. واذ رد ميقاتي بأنه لم يتفرد في القرار وأنه اخذ بمشورة حليف حزب الله رئيس مجلس النواب نبيه بري ونصيحته بأن يتم تمويل المحكمة من حساب الهيئة العليا للاغاثة، رد محدثه عليه قائلا ان بري "اقترح هذا المخرج لتلافي إستقالتك وتاليا سقوط الحكومة، ولم يكن تأييدا منه لتمويل المحكمة التي يتفق معنا في الموقف انها محكمة مسيسة وظالمة".
زعيم لا رئيس تسوية
وسمع ميقاتي ايضاً شرحاً كيف أن الاكثرية دعمته منذ توليه رئاسة الحكومة وما تزال بكل ما اوتيت لأنها تريد له ان يكون زعيما في بيئته وعلى المستوى الوطني، وانها تغاضت عن مسائل كثيرة من اجل الوصول الى هذا الهدف، وهي لا تريد له ان يكون رئيس تسويات، وأن عليه ان يقتنع بأن "الفريق الآخر" لم يحجز ولن يحجز له مقعدا في صفوفه إذا إستقال من رئاسة الحكومة، وانه إذا كان يظن ان في امكانه ان يتحالف مستقبلاً في طرابلس أو غيرها مع تيار "المستقبل" وحلفائه من قوى 14 آذار في انتخابات 2013 فإن ظنه هو في غير محله، "فنحن من يقف معك ومن يدعمك الآن وفي المستقبل ونحن من يضمن لك ما تريد هو فريق 8 آذار وحلفائه من حركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" واحزاب وغيرها".
واكثر من ذلك، سمع ميقاتي كلاما جازما مفاده أن عليه ان يمحو من ذهنه التفكير أو الإعتقاد باحتمال عودة "الفريق الآخر" الى السلطة، هذا الإحتمال الذي يدفعه الى ان يدخل في تسوية هنا والمسايرة او المهادنة هناك، واكد له محدثوه تكرارا ان عليه ان لا يتوقع عودة المعارضة الى السلطة "فهذا الفريق لن يعود الى السلطة، لن يعود، لن يعود، وإن المعطيات الداخلية والاقليمية والدولية تصب في هذا الاتجاه".
محاصرة عون
والى ذلك، سمع ميقاتي ايضا عتباً على طريقة تعاطيه مع رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، الحليف المسيحي الاساسي لحزب الله وبقية قوى 8 آذار، ووجهت إليه اسئلة عن سبب معاكسته ومحاصرته مطالب عون والمشاريع التي يطرحها وزراؤه، وهل هي إستهداف غير مباشر للحزب الحليف له ولمصلحة من؟ كما تلقى ميقاتي إتهاما بأنه يتشارك في هذه المعاكسة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، فيما المطلوب ان يكون لـ"الحليف" عون الاهتمام الكبير وكل الدعم كونه القيادي الأكثر تمثيلاً على المستوى المسيحي. وتم في هذا السياق إستعراض ما حصل في مشروع الكهرباء من مماحكات وخلافات قبل أن يتم إقراره بعد جهد جهيد. وكذلك تم إستعراض ما جرى ويجري في التعيينات وصولا الى موضوع زيارة الاجور وغيرها.
وقيل ايضاً ان ميقاتي سمع إنتقادا لقوله ان رئيس الجمهورية هو "حليفه الاستراتيجي"، لأن مثل هذا الكلام لا يليق بـ"اتفاق الطائف" والدستور الذي إنبثق منه، ولا بممارسة السلطة على كل المستويات في وقت ينبغي ان يسود التعاون بين الجميع بعيداً عن أي أحلاف سياسية من هنا أو هناك، وقيل له ايضا ان ليس لدى رئيس الجمهورية أي شيء يعطيه إياه من خارج المؤسسات.
وطبعا تخلل اللقاء بعض المواقف والتبريرات التي قدمها ميقاتي لمحدثه، وتعهد ان يتم العمل وفق صفحة جديدة بعدما طويت صفحة تمويل المحكمة. وهنا تناول الحديث ملفي بروتوكول المحكمة و"الشهود الزور". وسمع رئيس الحكومة من نصرالله نصائح تدعوه الى عدم التعاطي مع هذين الملفين بالطريقة التي تعاطى بها مع ملف التمويل.
وسمع ميقاتي في شأن بروتوكول المحكمة كلاما واضحا: "اذا كنت ستستقيل عند إستحقاق البحث في مصير هذا البروتوكول، قل لنا منذ الآن ولا تتصرف كما فعلت مع ملف التمويل حيث هددت بالاستقالة. واعلم انك اذا استقلت، فإن هذه الاستقالة لن تكون استقالتك كرئيس حكومة فقط، وانما ستكون إستقالة البلد كله، وعندئذ فليتحمل كل شخص أو فريق المسؤولية عما يمكن أن تؤول اليه الأوضاع في البلد". وخلص النقاش في هذا الملف الى الاتفاق على أن يطرحه ميقاتي في مجلس الوزراء تماما كما كان متفقاً معه أن يفعل في شأن موضوع تمويل المحكمة، بحيث يتم التصويت عليه ويلتزم الجميع نتيجة هذا التصويت سواء كانت تأييد التجديد العمل بهذا البروتوكول او تعديه أو إلغائه.
اما ملف الشهود الزور، فكان هناك تشديد لدى السيد نصرالله على وجوب فتح هذا الملف، خصوصا وان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أعادت الصلاحية الى القضاء اللبناني بملاحقة هؤلاء الشهود امام المجلس العدلي المحالة اليه قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري اصلا قبل انشاء المحكمة الدولية.
سيناريوهات للبروتوكول
وقد طُرحت في شأن هذا الملف سيناريوهات عدة منها ان المجلس العدلي في إمكانه أن يضع يده عليه من دون حاجة الى اي قرار لمجلس الوزراء، ومنها ايضا أن الامر يتطلب قرارا يتخذه وزير العدل، فطلب ميقاتي اعطائه بعض الوقت لتحديد الخيارات اللازمة في هذا الصدد. ومنها ايضا وايضا ان يتم البحث في هذا الملف بعد اجراء تشكيلات قضائية تستبعد بعض الوجوه القضائية عن مراكز معينة كونها كانت مسؤولة عن إدارته.
ويؤكد بعض الذين اطلعوا على ما دار في اللقاء بين ميقاتي ونصرالله، ان النقاش انتهى الى توافق على التعاون والانطلاق بزخم جديد على المستويين السياسي والحكومي بما يدفع الحكومة الى تحقيق انجازات ملموسة على كل المستويات، وخصوصا لجهة اجراء التعيينات الادارية، وان يتم التعاطي مع إقتراحات "التيار الوطني الحر" في هذا الصدد بواقعية وموضوعية تأخذ في الاعتبار حجمه التمثيلي مسيحيا ووطنيا، وكذلك اطلاق بعض سلف الخزينة لتنفيذ عدد من المشاريع الحيوية وفي مقدمها مشروع الكهرباء، فضلا عن إستعجال الخطوات للتنقيب عن النفط وإستخراجه وضمان حقوق لبنان وحدوده في هذا المضمار. كذلك تم الإتفاق على التشاور المسبق إزاء أي ملف حساس لتحديد طريقة التعاطي معه داخل المؤسسات الدستورية أو خارجها.

