الهمّ اللبناني بالعام الجديد…!

بعيداً عن حسابات الفلكيين، وتوقعات المنجّمين، وما أكثرهم هذه الأيام، يستقبل اللبنانيون عادة كل عام جديد في أجواء من التفاؤل والأمل بأن تكون السنة الجديدة أفضل من أختها المتوارية، فضلاً عن الدعوات الدائمة بأن تكون الأيام المقبلة أحسن من الأيام الماضية!.
ولكن آمال اللبنانيين وتفاؤلهم كانت تصاب بخيبات متلاحقة، خاصة في السنوات الست الأخيرة، التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأن كل عام جديد كان أسوأ من سابقه!.
فهل نحن اليوم أمام عام جديد وآمال عريضة قابلة للتحقيق أفضل من العام المنصرم؟.

قبل الحديث عن ملامح السنة الجديدة، لا بدّ من استعراض سريع لأهم وقائع ومطبّات السنة الفائتة، والأزمات التي خلّفتها، أو حتى تلك التي زادتها تعقيداً، حتى نرسم خطاً بيانياً واضحاً لحركة العام الجديد في حقل الألغام اللبناني.
أطلت سنة 2011 على البلاد والعباد بأزمة سياسية متفجرة، سرعان ما تبعتها سلسلة من الأزمات الأخرى، والتي كانت نهايتها أزمة تصحيح الأجور، وما رافقها من إرباك وتخبّط على أكثر من صعيد… حتى ليصح القول إن 2011 كانت «سنة أزمات» في لبنان!.
من فرط عقد حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري، بسبب خروج وزراء المعارضة السابقة عن بنود اتفاق الدوحة، وتقديم استقالاتهم، بهدف نسف الحكومة من الداخل، إلى مشاهد الأزمة الوزارية المفتوحة على المشاورات التي كان يُجريها الرئيس نجيب ميقاتي طوال خمسة أشهر ونيّف، قبل أن يتمكن من تشكيل حكومة اقتصرت على ألوان الأكثرية الجديدة، وأطاحت بمبدأ حكومات الوفاق الوطني الذي ساد بعد اتفاق الطائف، إلى سلسلة الأزمات، الصغيرة منها والكبيرة، التي حاصرت الحكومة الميقاتية، بسبب محاولات الهيمنة على مقدراتها وقراراتها من جانب التيار العوني وحلفائه، إلى سوء تصرّف بعض الوزراء في المفاصل الدبلوماسية والسياسية المهمة، والتي كان آخرها مثلاً، كلام وزير الدفاع عن وجود عناصر للقاعدة في بعض المناطق اللبنانية لا سيما قرية عرسال الصابرة على المعاناة وإهمال الدولة لها، إلى مشروع وزير العمل العوني حول تصحيح الأجور، والذي أثار زوبعة اقتصادية وسياسية، واستنفر الهيئات الاقتصادية، وعرّض ديمومة العمل لآلاف العمال للخطر، فضلاً عن إرباك الحكومة بسلسلة من قرارات تصحيح الأجور كانت تسقط تباعاً في سلّة مجلس الشورى. وباختصار كليّ، يمكن القول أن العام المنصرم لم يحقّق آمال اللبنانيين بتحقيق الاستقرار، وبإطلاق عجلة الاقتصاد، وبجذب المزيد من مشاريع الاستثمار، وذلك بسبب حالة القلق التي هيمنت على أعمال الحكومة، وعدم الانسجام الكافي بين مكوناتها من جهة، فضلاً عن الترقب والحذر من تداعيات الأحداث السورية على الوضع في لبنان من جهة ثانية، الأمر الذي أدّى في الحالتين إلى جمود في الوضع الاقتصادي، وتراجع كبير في نسبة النمو، وانخفاض ملحوظ في الحركة المالية والعقارية، رغم أن الوضع الأمني بقي على حاله من الهدوء الهش، والذي كان مقبولاً قياساً على ما يحصل في بلدان «الربيع العربي»!.
… فماذا عن أحوال البلاد في العام الجديد؟.

ليس في أفق سنة 2012 ما يُشير إلى أنها ستكون أفضل من شقيقتها المنصرفة على خفر، لأنها لم تكن على مستوى آمال اللبنانيين وطموحاتهم!.
يطل العام الجديد وعوامل الصراعات والخلافات الداخلية ما زالت على حالها، بل لعلها زادت حدّة وتعقيداً في الأسابيع الأخيرة، والأوضاع الاقتصادية ما زالت تئن تحت وطأة الركود الذي يُهيمن على الأسواق، ونتيجة العراقيل والصعوبات التي تؤخّر، وأحياناً تعطّل، عمليات التصدير إلى الأسواق الخارجية، طبعاً بالإضافة إلى الزيادة المتوقعة في تكاليف الإنتاج بعد قرار رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة رواتب الشطور الأخرى.
على الصعيد السياسي، الوضع الحكومي سيبقى في حالة اهتزاز طالما بقيت مناورات الفريق العوني لتمرير المشاريع الخدماتية الانتخابية وطالما استمرت سياسة ابتزاز الحكومة ورئيسها عبر سلسلة من الضغوط السياسية والشخصية، من دون الأخذ بعين الاعتبار بأن ليس في كل مرّة تسلم الجرّة، بحيث أن استقالة الحكومة متوقعة في حال تكرار مناورة التصويت الثلاثي من حزب الله وحركة أمل والتيار العوني في جلسات مجلس الوزراء على نحو ما حدث في جلسة إقرار مشروع الوزير شربل نحاس عنوة وبالإكراه!.
وبالنسبة للوضع الاقتصادي، ما زال الوطن الصغير في دائرة المراقبة الأميركية والدولية الحذرة، من نشاطات تجارية ومصرفية مختلفة لمصلحة حزب الله، حسب الاتهامات الغربية المتكررة، الأمر الذي من شأنه أن يضاعف حذر المستثمرين العرب والأجانب من الدخول في السوق اللبناني قبل أن تمر فترة المراقبة بسلام، ويتم التأكد بأن لبنان لن يخضع لعقوبات اقتصادية تضر بمصالح أصحاب المشاريع والمستثمرين.
وأما على الصعيد الأمني، فمن المتوقع أن يبقى على حاله الهش، الذي كان عليه في العام المنصرم، طالما بقيت الأطراف اللبنانية الأساسية وخاصة حزب الله، ترى أن لا مصلحة لها بتعريض الوضع الأمني للانهيار، نظراً لتبعات مثل هذا التطور الدراماتيكي، على أصحابه أولاً، ثم على البلاد والعباد، لا سيما وأن المواجهات الدموية في سوريا، والأحداث الملتهبة في دول عربية أخرى، ستزيد الانهيار الأمني - في حال حصوله - تفاقماً وتعقيداً، خاصة في ظل غياب أية جهود عربية للملمة الوضع اللبناني - على نحو ما كان يحصل سابقاً - بسبب انشغال عواصم القرار العربية بتطورات الربيع العربي التي تجتاح أكثر من دولة عربية!.

لا داع للإفراط في التشاؤم، ولا للتعلق بأهداب التفاؤل.
ولن تنفع توقعات المنجمين، ولا حسابات الفلكيين، طالما افتقدت القيادات السياسية صفات الحكمة والتبصّر، واستمرت في إطلاق العنان لخطابات الشحن والتحريض والتوتر، واللعب بأوتار الخلافات السياسية والمناطقية، والوقوف عى حافة الفتن الطائفية والمذهبية!.
لبنان يستطيع الخروج من العاصفة التي تضرب المنطقة سالماً، إذا تغلب التعقل على الانفعال، وإذا مالت كفة الاعتدال والانفتاح والحوار، على ما عداها من تشدّد وتقوقع وخصومات، أوقعت القطيعة الحالية بين قنوات أهل السياسة وأصحاب القرار!. 

السابق
توقّعات المنجّمين في لبنان للعام 2012: ضحك على “الدقون” واستخفاف لعقول الناس
التالي
تعكير العلاقات!!