في الذكرى السادسة لاستشهاد جبران تويني، لا يزال للدموع مكان في عيني الابنة نايلة تويني.
وفي هذه الذكرى ايضا، لا تزال الحرقة هي نفسها في قلب الابنة ميشيل، والاشتياق قوي الى وجه أب غادرهما باكرا في عيون ناديا وغبرييلا. اما الوالد غسان تويني، فلا يزال يحنّ الى تلك القبلة التي حملها على شفتيه والتي لم يجد جبين جبران ليطبعها عليه قبل ان يلّفه التراب.
كلها مشاعر عبقت بها كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت. اهل واصدقاء وزملاء في جريدة " النهار" لا يزالون "عالقين" بتلك المحبة وبذاك الحضور الذي غاب عن مكاتبهم، لكن ظلّه بقي قويا في الارجاء.
النائب والاب والزوج والزميل والصديق، والاهم المناضل الشاب، كلهم كانوا حاضرين بشخص واحد هو جبران تويني. والاحباء شاركوا في قداس ترأسه ميتروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عودة. اتوا جميعهم ليصلوا لراحة انفس جبران ورفقيه نقولا فلوطي واندره مراد، وليسألوا مع عودة: "لماذا استشهد جبران؟ لانه احب وطنه حتى الثمالة، حتى الموت"، وليتابع: "قرّب ذاته من اجل قضية محقة، لكننا ويا للاسف لا نزال نعاني من وطن مشرذم مفكك تتناتشه الاهواء والمصالح ولم تنجح في توحيده دماء الشهداء".
ظهرا، اكتمل الحضور. ممثلون للرؤساء ونواب ورفاق وشباب. حضر ممثل رئيس الجمهورية نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل وممثل رئيس مجلس النواب النائب ميشال موسى وممثل رئيس الحكومة الوزير نقولا نحاس وزوجات الرؤساء امين الجميل السيدة جويس وبشير الجميل السيدة صولانج ورنيه معوض السيدة نايلة وممثل الرئيس فؤاد السنيورة النائب عمار الحوري.
ومن النواب، حضر بطرس حرب واكرم شهيب ونبيل دو فريج وعاطف مجدلاني ومحمد قباني وتمام سلام وانطوان سعد وقاسم عبد العزيز وميشال فرعون وجمال الجراح وغسان مخيبر ونديم الجميل وسرج طورسركيسيان وجان اوغاسابيان وجورج عدوان ودوري شمعون ونضال طعمة وفؤاد السعد. كذلك شاركت السفيرة الاميركية مورا كونيللي ومدير مكتب الرئيس سعد الحريري نادر الحريري ومستشار الحريري داود الصايغ وممثل المدير العام للامن العام العميد الياس سعادة وممثل المطران بولس مطر الاب كميل مبارك ورئيس المجلس الماروني العام وديع الخازن ومنسق قوى 14 آذار فارس سعيد ورئيس "حركة التغيير" ايلي محفوض ونقيب الصحافة محمد بعلبكي والاعلامية مي شدياق وفاعليات سياسية وبلدية وحزبية.
واستقبلهم افراد عائلة تويني تتقدّمهم النائبة نايلة تويني وزوجها مالك مكتبي وشقيقتها ميشيل والسيدتان سهام تويني وميرنا المر ابو شرف والنائب مروان حماده والوزير السابق الياس المر وافراد من عائلة "النهار".
عودة: لا يزال في القلب
عبق البخور. صلّى الجميع. وعلت الاصوات: "لأنك القيامة والحياة والراحة"، مع دعاء متكرر صدر من قلب المؤمنين:" ليكن ذكره مؤبدا".
لحظات ويلقي عودة عظته: "مرة جديدة نجتمع معا للصلاة من اجل راحة نفس جبران. سنوات مرت على استشهاده ولا يزال في قلب كل واحد منا. الاعوام لم تنجح في كم صوته المدوي بذاك القسم الذي يحث اللبنانيين جميعا على الاتحاد من اجل صون الوطن والدفاع عنه، كما انها لم تنجح في توحيد اللبنانيين وجمعهم تحت راية الوطن ومصلحته".
واضاف: "ما يحز في النفس ان جبران قرّب ذاته من اجل قضية محقة. مات من اجل قضية دافع عنها حتى الشهادة. لكننا، ويا للاسف، لا نزال نعاني من وطن مشرذم مفكك تتناتشه الاهواء والمصالح ولم تنجح في توحيده ولمّ شمله دماء الشهداء".
وسأل: لماذا استشهد؟ لا أجد إلا جوابا واحدا: لانه أحب وطنه حتى الثمالة، حتى الموت (…) الشهيد انسان مفعم بالمحبة، لا يحيا إلا بها. هو يعرف ان الخطر يهدد حياته لكنه ينظر الى الامام قائلا: "أنسى ما هو وراء وأتقدم الى ما هو أمام"، الى الهدف الذي يدافع عنه، غير آبه بالتحذيرات او الانذارات. عيناه وأذناه تتجه نحو الضمير ولا تسمع الا صوته. محبته لا تعرف الكذب او الرياء أو المساومة أو المصلحة. غايته الاولى والعظمى ان يبقى المحبوب في هذه الدنيا. والمحبوب بالنسبة الى جبران كان لبنان".
وختم: "جبران كان يؤمن انه يعرف الحق عندما كان يدافع عن حق وطنه في ان يكون حرا مستقلا، فيه يعيش كل من أراد ان يبتعد عن حياة الاستعباد والذل والخيانة. لقد أراد وطنه موئلا للحرية والإبداع، وطنا للنور والثقافة والإشعاع، مكانا للقلم الحر الذي ينساب مسطرا كلمات تفك أغلال العبودية في الشعب وتحطم اسوار السجون. كلمات تصرخ في وجه الطغيان والظلم والحقد والإهانة. حلم جبران بوطن موحد عزيز في عيون ابنائه، قوي بسواعدهم، عظيم بإبداعهم، فاذا بنا في وطن يكاد لا يجمع ابناءه شيء. يختلفون على كل شيء، يتراشقون بكل الاتهامات، يتسابقون على المغانم، يطمعون بكل ما فيه ويبخلون عليه بأبسط الامور، إنما أصعبها: محبته والتفاني في خدمته. فماذا يفيد الانسان إن ربح مال العالم كله وخسر بيته ووطنه؟ ماذا يفيده إن ربح محبة العالم أجمع وخسر محبة ابناء وطنه، ماذا يفيده إن كان مبدعا في كل مكان وفاشلا في وطنه؟ الوطن هبة من الله علينا المحافظة عليه كما نحافظ على حياتنا، وجبران وضع وطنه قبل حياته، فكان ان مات من اجله".
تويني: "اشتقنالك"
والى كلمة العائلة، ألقتها ميشيل تويني: " ستة اعوام. سنة بعد سنة والغياب اكبر. جبران تويني ليس ذكرى، هو حاضر ومستقبل اكيد. ماذا يمكن القول؟ عندما نكتب كلمة عنك ولك يا جبران يصعب التعبير. ماذا يمكنني ان اقول سوى اشتقنالك؟ ماذا يمكنني ان اقول إلا ان يوم 12 كانون الاول 2005 لم يكن سوى كابوس طال ويطول، لكننا لم نستيقظ منه بعد؟ صحيح ان الالم كبير وصحيح ان كل شيء يصبح اصعب مع مرور الزمن، لكن اولاد جبران تويني لا يقفون عند الالم والحزن، يتوجعون فيستمرون مهما واجهوا من صعوبات، يحزنون ويتذكرون ثم يأخذون القوة من بسمتك وكلماتك. جبران موجود كل يوم مع صدور جريدة "النهار"، وموجود في كل مشاريع "النهار" الجديدة، وعبر اعمال مؤسسة جبران تويني التي تجسد احلامه الثقافية والاجتماعية، وعبر كل قلم حر في لبنان غير مرهون، وعبر كل مشروع شبابي ناجح".
والى جبران تابعت بالقول: " اسهر علينا، ساعدنا، صلّ لاجلنا، لنكون على قدر المسؤولية، ونطلب من الله ان يحمي جدي غسان الذي حمل صليبه ولم ينحن يوما لمصاعب الحياة، وسأختم ببضع كلمات كتبها جدي غسان لجبران: احمل على شفتي وهج القبلة التي لم اجد جبينك لاطبعها عليه قبل ان يلفك التراب، ولا تركوني ألمس وجهك الضاحك لاغسل عنه بدموعي اثار البارود الذي احرقك واحرق قلبي وقلوب محبيك المتعبدين للوطن والحرية، لكن التراب الذي لم يبرد ليس حاجزا بيننا وبين الموت (…) والعزاء آت لان ليس في التاريخ ولا القدر منطق او ناموس يسمح بأن تذهب الشهادة سدى، فاصبر وانتظر في كنف الحب المؤمن الذي يدفئ غربتك. اعرف، لن تنتظر الى الابد لأن الابدية صارت خلفنا ووراءك".

