الخروج إلى الحريّة عبر صناديق الانتخابات

عشرات الشهداء، ومئات المصابين، راحوا ضحية أحداث شارع محمد محمود الأسبوع الماضي؛ إلا أنهم مهدوا الطريق هذا الأسبوع، كي يخرج المصريون إلى صناديق الاقتراع. هكذا بدت المحروسة في بداية عملية التصويت في انتخابات مجلس الشعب، والتي ستستمر لمدة يومين في الأسبوع القادم، ويومين آخرين في بداية كانون الثاني، كأول انتخابات برلمانية بعد ثورة 25 يناير. والمدهش أن الإقبال الذي وصفه مراقبون بأنه تاريخي، لم يتحقق – كما يقول هؤلاء – منذ انتخابات برلمانية شهدتها مصر في العام 1976، ولم يعترف الرئيس الراحل السادات بها، حتى أنه أبطل عضوية 150 من أعضاء ذلك البرلمان الذين جاءوا على غير هواه!

الانتخابات واجهت دعوات للمقاطعة تحت مبررات عدة، منها قصر مدة الاستعداد، ما يعني ظلم الأحزاب الجديدة التي لم تستطع بعد بناء قاعدتها الجماهيرية، ومنها أيضا الخوف من تجاوزات تؤثر على النتائج، كالحملات التي تنظمها الأحزاب الدينية وعلى رأسها "الحريّة والعدالة" (الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، و"النور" (المعبر عن التيار السلفي)، تلك الحملات التي استغلت المساجد في دعاياتها، منفقة الكثير من الأموال من دون الالتزام بالمبالغ التي حدّدتها اللجنة العليا للانتخابات، وهى نصف مليون جنيه كحد أقصى للمرشح الواحد للإنفاق على الدعاية الانتخابية، وغيرها الكثير من الأسباب التي ربما توصل إلى نتائج لا تعبر بالضرورة عن حقيقة التوجهات في الشارع المصري.المطالبة بتأجيل الانتخابات انطلقت أيضا من خوف البعض من تجدد الاشتباكات العنيفة بعد المواجهات التي شهدها شارع محمد محمود، في جوار ميدان التحرير. إلا أن أصواتا أخرى خرجت للمطالبة بعدم التأجيل، والدعوة إلى التصويت وعدم المقاطعة، تزعّم جزء منها الإخوان المسلمون والتيار السلفي، منطلقين من المراهنة على مكاسب كبيرة في هذه الانتخابات، كونهما التيارين الوحيدين القادرين على تنظيم صفوفهما في هذه اللحظة، وهو السبب نفسه الذي دفع بتيارات معارضة لهما إلى طلب المقاطعة، على اعتبار أنه لا بد من فرصة أطول لالتقاط الأنفاس.
وفي النهاية، وبعد تأكيد المجلس العسكري حماية العملية الانتخابية، أقيمت الانتخابات في موعدها، وهو المطلب الذي حاز على موافقة أغلب الرأي العام السياسي، كونه البديل الوحيد للفوضى بحسب وجهة نظرهم، وللتأكيد أن صندوق الانتخاب هو الطريقة المثلى للتغيير، حتى ولو جاءت النتائج غير مرضية بسبب سيطرة تيار بعينه.

الرائع أن من كان يطلق عليه شباب الثورة "حزب الكنبة" (الأريكة) قد خرج للمشاركة بقوة، حتى إن طول الطابور الانتخابي في لجان عدّة وصل إلى أكثر من كيلومتر، كما بلغ متوسط فترة وقوف الناخب في انتظار دوره ما بين ثلاث إلى أربع ساعات! إلا أن كثيراً من المواطنين تحوّط للأمر وجلب معه كراسي قابلة للطيّ، كتلك التي يستخدمونها في مترو الأنفاق تفادياً للزحام!
أما نشطاء التيارات اليسارية والليبرالية الذين قاطعوا التصويت، أو مارسوه رغم تأكدهم أن النتائج لن تكون كما يرجونها بالضرورة، للأسباب السابقة، فقد قرروا تسخير شبكات التواصل الاجتماعي لرصد الانتهاكات التي تحدث، وعلى رأس هذه الشبكات "تويتر" وفايسبوك"، حيث شهدا نشاطاً غير مسبوق في رصد الانتهاكات، حتى من قبل مواطنين عاديين.
المشهد الذي طال انتظاره، مدهش إلى حد كبير: نشطاء يدعون إلى المقاطعة لكنهم يساعدون في توجيه المواطنين إلى كيفية الانتخاب، ليبراليون ويساريون يعرفون أن الانتخابات ستأتي بـ"أعدائهم" إلى كراسي البرلمان، لكنهم يصرّون على ترسيخ مبادئ ممارسة الديموقراطية عبر صندوق الانتخاب، مواطنون يذهبون إلى طوابير الانتخاب ويقفون بالساعات لممارسة حقّهم للمرة الأولى برغم كونهم لا يعرفون تماما من الذي سينتخبونه!
إنها حقاً مصر.. أم العجايب.  

السابق
تعويض مالي بسبب جرس الكنيسة
التالي
لهـذه الأسبـاب نـزل نصـر اللـه إلى ساحـة عاشـوراء