بعد إعلان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عزمه على تقديم استقالته إذا سقط قرار تمويل المحكمة الدولية في مجلس الوزراء، سجل أمس حدث بارز تمثل في موقف تكتل التغيير والإصلاح عدم حضور وزرائه لجلسة المجلس، التي كانت مقررة عصراً في بعبدا، احتجاجاً على طريقة إعداد جدول أعمال الحكومة، و"مآخذ لدى التكتل على عمل الحكومة وأدائها".
وتسارعت الاتصالات مساء أمس لمعالجة الموقف، تفادياً لمزيد من الاهتزاز للوضع الحكومي، خصوصاً أن موقف الرئيس ميقاتي حول نيته الاستقالة إذا لم يُقر تمويل المحكمة، أدّى الى تحريك المشاورات بين الأطراف المشاركة في الحكومة تفادياً لأي خطوة من شأنها، أن يفسّرها فريق "14 آذار" على أنها إنجاز له.
عرب أميركا ينفّذون إملاءات واشنطن
في هذا الوقت، بات من الواضح أن "حلفاء أميركا" في جامعة الدول العربية يدفعون سريعاً في اتجاه فرض عقوبات اقتصادية ومالية على سورية، خصوصاً أن بعضهم كـ قطر والسعودية يجهدان لتحويل الملف السوري الى مجلس الأمن، حيث ينكشف المزيد من المعطيات حول انغماس دول الخليج وملحقاته في الجامعة في تبني الخطة الأميركية ـ الغربية لمحاصرة سورية واستنزافها، وإذا أمكن استدراج التدخل الأجنبي، علماً أن مصادر عديدة تؤكد أن حكام قطر يمارسون الضغوط والتهويل على عدد من الدول العربية، للسير معها في رفع الأزمة السورية الى مجلس الأمن.
وفيما بدا جلياً أن ما يُعدّ أميركيا يجري تمريره في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وهو ما ظهر بشكل لا لبس فيه في "الإنذارات المُقنّعة" التي حددها اجتماع القاهرة يوم أول من أمس لسورية في سبيل التوقيع على بروتوكول ارسال المراقبين للاشراف على الوضع داخلها، وأعلنت دمشق أن الحديث عن تمديد المهلة للتوقيع على هذا البروتوكول "لا يعنينا"، بعد أن كان اجتماع وزراء الخارجية العرب قد أمهل سورية حتى الواحدة من ظهر أمس للتوقيع من دون أن يأخذ بالملاحظات التي كانت قد قدمتها دمشق.
مرجع سوري
وفي معلومات لـ "البناء" أن مرجعاً سورياً اعتبر أن كل ما قيل أمس عن إمهال سورية ساعات معدودة للموافقة على إرسال المراقبين وعن أن عدم الموافقة سيؤدي الى عقوبات اقتصادية وحظر جوي وما إليه من الأمور، هو من قبيل الحرب النفسية، ليس لأن الجامعة العربية في غير هذا المناخ، أو لأن اتجاهها تغيَّر بعد الإيعاز الاميركي بتصعيد الضغوط، بل لأن الفلسفة التي يقوم عليها أي بروتوكول هي فلسفة التوافق بين طرفين على آلية عمل محدد سلفاً، ولا يمكن للضغظ من طرف واحد لإلزام طرف آخر بما يريده أن يعتبر بروتوكولاً بأي شكل من الأشكال.
ولذلك اعتبر المرجع أن الضغط والحرب الإعلامية اللتان شنتا البارحة على سورية وموقفها، بالإضافة الى وضعها بين السيف والمبضع، بمثابة حرب اعلامية وسياسية ونفسية عليها، وهذا لا يؤثر في الموقف السوري كما يقول العارفون.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مصادر دبلوماسية عليمة سألت، هل أن الجامعة أصبحت أشبه بمنصة غربية ضد سورية كدولة وشعب، ومنظومة مقاومة قبل أن تكون ضد قيادتها.
اجتماع وزراء الاقتصاد العرب
الى ذلك، من المنتظر أن يجتمع المجلس الاقتصادي لدى الجامعة العربية اليوم في القاهرة، لإقرار دفعة من العقوبات كان قد جرى اقتراحها خلال الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب أول من أمس، والذي تؤكد الوقائع أن الرئاسة الحالية للجامعة (قطر) وأمينها العام الى بعض الدوائر الأخرى الحاكمة في دول الخليج لا تأخذ سوى بإملاءات واشنطن التي يراد منها ليس فقط تدويل الوضع في سورية، وهو ما ظهرت مؤشراته الواضحة من خلال إعلام مجلس الأمن بما صدر من قرارات، إنما أيضاً تشجيع المجموعات الارهابية المسلحة على ممارسة المزيد من الارهاب، والاعتداءات على المواطنين بهدف استنزاف سورية، وأخذ الأمور نحو الفتنة والتدخل الأجنبي، وتجلّى هذا الدعم للمجموعات المسلحة بما كشف عنه مصدر فرنسي، من أن حكومته قدّمت معدات ليلية متقدمة لما يسمى "الجيش السوري الحر" في وقت سقط أمس سبعة طيارين سوريين في عملية ارهابية نفذتها مجموعات مسلحة.
وكانت الجامعة العربية، قد أعلنت مساء أمس، "أن المهلة الممنوحة لسورية انتهت من دون توقيع دمشق على البروتوكول، وقالت إن دمشق لم ترسل رداً على الموضوع"، وسبق ذلك إعلان الجامعة أنها "أعطت سورية مهلة لآخر النهار للتوقيع على وثيقة إرسال المراقبين".
في هذا السياق، ذكرت صحيفة "المدينة" السعودية نقلاً عن مصادر عربية "أن العقوبات الاقتصادية قد لا تشمل في المرحلة الأولى حظراً على الرحلات الجوية أو على البنك المركزي السوري".
مسيرات حاشدة رفضاً لقرارات الجامعة
في موازاة ذلك، ورفضاً لقرارات الجامعة العربية ضد سورية، شهدت المدن السورية أمس مسيرات حاشدة، ضمت مئات الآلاف من المواطنين السوريين، لا سيما في بانياس وطرطوس والقامشلي واللاذقية والسويداء وجبله.
استشهاد ستة طيارين وثلاثة ضباط
في المجال الأمني، قامت مجموعة ارهابية مسلحة أمس باغتيال ستة طيارين وضابط فني وثلاثة صف ضابط من الفنيين في إحدى القواعد العسكرية وذلك أثناء مرورهم على محور تدمر ـ حمص.
وأكدت قيادة الجيش السوري "أن هذا الاستهداف المباشر لنخبة من نسورنا البواسل يستهدف بنية قواتنا المسلحة بمختلف أنواعها وصنوفها مؤكداً "تورط جهات أجنبية في دعم هذه العمليات الارهابية بهدف إضعاف القدرات القتالية النوعية لقواتنا المسلحة الباسلة".
ورأت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة أن "المستفيدين من هذا العمل الإرهابي هم أعداء الوطن والأمة وفي مقدمهم "اسرائيل". روسيا: التدخل العسكري غير مقبول
أما في المواقف الدولية من الوضع في سورية، فقد جدد المتحدث الرسمي باسم الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش خلال مؤتمر صحافي أمس، أن التدخل العسكري في الشؤون السورية غير مقبول لروسيا، مشيرا إلى ضرورة عدم استخدام عامل حماية حقوق الانسان، ذريعة لأي تدخل في الشؤون الداخلية السورية.
وأشار لوكاشيفيتش الى أن بلاده تريد المزيد من المعلومات عن اقتراح فرنسي بإقامة ممرات انسانية آمنة في البلاد، قبل ان تقرر موقفها من هذا الاقتراح.
وقال لوكاشيفيتش "في المرحلة الراهنة هناك حاجة لا للقرارات أو العقوبات او الضغوط بل للحوار السوري الداخلي".
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "كومبرسانت" الروسية انه بسبب موقف تركيا من سورية قد تفسد أنقره علاقتها مع موسكو".
نائب رئيس وزراء تركيا
يرفض التدخل العسكري
لكن، موقفا لافتا، صدر للمرة الأولى أمس عن مسؤول تركي حيث أكد نائب رئيس الوزراء بولنت أرينج أن بلاده ترفض بشدة أي تدخل عسكري أجنبي في سورية، كما ترفض أي مشاركة في هكذا تدخل من الدول المجاورة". وقال نرفض أي عملية يطلب من تركيا ان تكون طرفاً فيها".
وكشف المسؤول التركي ان هناك دولاً تقول ان تركيا ستتدخل في الأحداث الجارية في سورية، وهذا أمر خاطئ تماما، ليس من المطروح البتة إرسال قوات تركية أو حدوث تدخل تركي في سورية، كما لن نسمح لدول اخرى بالتدخل".
وأكد المسؤول التركي ان مثل هكذا سيناريو سيخلف تبعات ثقيلة على المنطقة.
أوغلو: سنتخذ خطوات؟
لكن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قد أعلن امس أن المهلة العربية المعطاة لسورية لتوقيع مذكرة المراقبين هي بمثابة الفرصة الأخيرة لها. وأضاف "قد نتخذ خطوات مع الجامعة العربية ضد سورية ان لم تبد حُسن النية".
وأعلن أوغلو في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي جوليو تيرتسي، أنه مستعد لحضور اجتماع لوزراء الخارجية العرب قد يعقد يوم الأحد (غداً).
… وموقف ألماني
بدوره، أشاد وزير الخارجية الألماني غويدو فيسترفيلله بما اتخذته جامعة الدول العربية من إجراءات حيال الحكومة السورية، لافتا الى أن ما تبنته جامعة الدول العربية يجتمع مع الخط الدولي، وبالطبع فإن هذا المسار ضد نظام الرئيس السوري بشارالأسد على حق.
أكاذيب عن التظاهرات والقتلى!
في مجال آخر، حصلت بعض التظاهرات المتفرقة في مناطق سورية محدودة امس بدعوة مما يسمى المعارضة السورية، واقتصر عدد المشاركين في أكبر تظاهرة على بضعة مئات التي أطلقوا عليها ما يسمى "جمعة الجيش الحر يحميني".
وفي السياق ذاته، واصلت أقنية التحريض والفتنة خاصة "الجزيرة" و"العربية" بث الأخبار الكاذبة والملفقبة عن حصول تظاهرات في مدن ومناطق سورية، كما زعمت "الجزيرة" نقلا عمن وصفتهم بـ "ناشطين" سقوط جرحى في منطقة الصالحيه في دمشق، علما ان من كان في العاصمة السورية أمس أكد ان المنطقة كانت هادئة وطبيعية، كما أدعت "العربية" ان 19 شخصا سقطوا امس برصاص الأمن.
تدخّل فرنسي وقح..
وفي سياق أمني متصل، ذكرت أوساط إعلامية في الساعات الماضية ان فرنسا قدمت معدات رؤية ليلية متقدمة من بلد غربي الى ما يسمى "الجيش السوري الحر" في خطوة غير مسبوقة على تدخل فرنسا الوقح في شؤون سورية.
مقاطعة وزراء تكتل التغيير
أما على الصعيد الداخلي، فقد برز أمس مقاطعة تكتل التغيير والإصلاح لجلسة مجلس الوزراء وأحدث ذلك اهتزازا قوياً في الحكومة بعد ساعات على حديث الرئيس ميقاتي الذي لوّح بالاستقالة اذا لم يحصل تمويل المحكمة.
وقالت المعلومات لـ "البناء" ان التكتل كان سيلجأ الى خطوة أبعد، لكن اتصالات مكثفة جرت على غير صعيد، توصلت الى تدارك الموقف وابقائه في دائرة الأخذ والرد وتأجيل الجلسة الى يوم الاربعاء المقبل.
وبرز في هذا المجال، اللقاء الذي جمع الرئيس بري والرئيس ميقاتي في عين التينة حيث وصفت الأجواء بأنها كانت جيدة. وتركزت على تفعيل العمل الحكومي.
وزار الرئيس ميقاتي بعد ذلك الرئيس سليمان في بعبدا، بعدما كان سليمان التقى الوزير علي حسن خليل بعد تعذر انعقاد جلسة الحكومة، مع العلم ان رئيس الحكومة سيغادر اليوم لبنان تمهيداً لزيارة الفاتيكان يوم الاثنين للقاء قداسة البابا.
أما في خصوص خطوة مقاطعة جلسة الأمس، فقد أجرى الوزير جبران باسيل اتصالا برئيس الجمهورية وأبلغه ان وزراء التكتل ما زالوا في مرحلة تشاور ولن يتمكنوا من الحضور، وقالت أوساط مراقبة ان هذه الخطوة اعتبرت بمثابة تخفيف للموقف الذي كان التكتل يعتزم القيام به وفتح الباب أمام المزيد من التشاور والنقاش حول المسائل الخلافية، والتي ستجري في الساعات المقبلة وبعد عودة الرئيس ميقاتي الى بيروت.
موقف تكتل التغيير
وأكد الوزير باسيل ان مقاطعة جلسة الحكومة سياسي، وقال شرطنا إعادة النظر بطريقة العمل الحكومي وإدارة الجلسات وطرح جدول الأعمال، كما نقل عن احد وزراء التكتل ان اجتماعا سيعقده التكتل اليوم في الرابيه لتحديد الموقف النهائي من الموضوع الحكومي.
وكان رئيس التكتل العماد عون، لفت مساء امس الى انه "كل مشاريعنا معطلة ولا انتاج على الارض" ملاحظا انه "اذا أكملنا هكذا بالحكومة فلا فائدة في بقائنا فيها" وقال اننا مستعدون لكل الاحتمالات ولا نقبل ان يهددنا احد في الوزراة".
ومن المتوقع ان تشهد الأيام القليلة المقبلة، التي تسبق جلسة مجلس الوزراء الاربعاء المقبل مزيدا من الاتصالات والمشاورات بين أطراف الأكثرية، بعد ان كانت تحركت الاتصالات بشكل ملحوظ مساء امس على خطوط بعبدا وعين التينة والسراي الحكومي.
… وميقاتي يرد
ومساءً علّق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على كلام وزراء من تكتل "التغيير والإصلاح"، مؤكداً في بيان ان "هذا الكلام مرفوض، ومن المفيد التذكير بنص المادة 64 من الدستور – الفقرة السادسة، وفيها: يدعو رئيس مجلس الوزراء مجلس الوزراء الى الانعقاد ويضع جدول اعماله، ويطلع رئيس الجمهورية مسبقا على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث".
وأشار الى أنه "إذا كان المقصود من كلام السادة الوزراء العودة مجددا الى محاولة خلق أعراف جديدة على حساب التوازنات التي ارساها إتفاق الطائف وكرسها الدستور اللبناني، أو الانتقاص من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الدستورية، فإن هذا الامر غير وارد على الاطلاق، تحت أي ظرف. ولن تكون رئاسة مجلس الوزراء مكسر عصا في كل مرة يجد فيها البعض نفسه مأزوما، أو ساعيا الى دور وحجم يتجاوز حقه الطبيعي".
ولفت الى أنه "ذكر أحد وزراء التيار الوطني الحر (باسيل) أنه "لم يتم حتى الساعة تعيين رئيس لمجلس القضاء الاعلى، رغم مرور شهرين على ارسال طلب الى الامانة العامة لمجلس الوزراء بملء الشواغر في السلطة القضائية"، موضحاً أن "اي طلب لم يرد بهذا الصدد الى الامانة العامة، علما ان ملف التعيينات برمته، ومن ضمنها التعيينات القضائية، تتم مقاربته تباعا على قاعدة اختيار أفضل العناصر والكفاءات".
وشدد على أن "الظرف الراهن بالغ التعقيد والحساسية، ولا يحتمل بالتالي اي مغامرات او رهانات تشكل مدخلا لشرخ اضافي في البلد، بل المطلوب من الجميع التعاون والتعاضد لحماية هذا الوطن وابنائه والارتقاء بالممارسة السياسية الى مستوى المسؤولية الوطنية".
الأجور والزيادة المقطوعة
على الصعيد الاجتماعي، عقدت لجنة المؤشر اجتماعها الاخير أمس برئاسة وزير العمل شربل نحاس وحضور ممثلي الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي وهيئة التنسيق النقابية من دون التوصل الى قاسم مشترك بين طرفي الانتاج حيث رفضت الهيئات ضم الملحقات الى الرتب ومسألة الشطور، في حين أكد الاتحاد العمالي تمسكه بقرار مجلس شورى الدولة الذي تبناه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
وفي معلومات خاصة لـ "البناء" ان مجلس الوزراء سيقر زيادة مقطوعة على كل الأجور تساوي 250 ألف ليرة مع الابقاء على بدلات النقل والتعليم كما هي، بسبب عدم توصل طرفي الانتاج الى قاسم مشترك.
وعلم ان أصحاب العمل قد اقترحوا ان يكون الحد الأدنى 600 ألف ليرة وألاّ تقل الزيادة على باقي الشطور عن المئة ألف ليرة ولا تزيد على الـ 160 ألفاً.

