بعد مفاوضات دارت رحاها أمس في المقار الرئاسية الثلاثة، خرج رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي ليعلن حلا لقضية زيادة الاجور يقع في منطقة وسطى بين مطالب الاتحاد العمالي العام واستعدادات الهيئات الاقتصادية. فكانت النتيجة أن تحفظ الاتحاد عن بنود في الحل بلسان رئيسه غسان غصن لكنه قرر تعليق الاضراب الذي كان مزمعا اليوم، بينما استبقت الهيئات الاقتصادية ما أعلنه ميقاتي بالتزامها السقوف التي تراها مناسبة.
وبين التحفظ والرفض سيكون مئات الألوف من الطلاب والتلامذة والاساتذة في المؤسسات التربوية الرسمية والخاصة في منازلهم اليوم، بعدما حسموا خيار السير في الاضراب نظرا الى طول انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات، مع العلم ان عشرات الألوف من طلاب الجامعة اللبنانية لا يزالون خارج صفوفهم نتيجة استمرار اضراب أساتذتهم.
ميقاتي
والحل الذي أعلنه ميقاتي، أذاعه من السرايا وزير الاعلام وليد الداعوق في ختام اليوم الماراتوني من المفاوضات وهو يتضمن الآتي:
"رفع الحد الادنى الى 700 الف ليرة، وتضاف الى الاجر 200 الف ليرة لغاية مليون ليرة، و300 الف ليرة للأجر بين مليون ومليون و800 الف ليرة، وتضاف الفا ليرة الى بدل النقل الحالي وترفع المنح المدرسية الى مليون ونصف مليون حدا أقصى".
وأكد ميقاتي حرص الحكومة والهيئات الاقتصادية "على مصلحة المواطن. ولكن يجب ان تؤخذ في الاعتبار قدرة الدولة والقدرة التنافسية والتضخم". وأضاف: "اتصلت بالهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام ووضعتهما في الاجواء واتخذنا القرار، وشددنا على الاسراع في تشكيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وطلبنا من دوائر وزارة الاقتصاد والبلديات التعاون ورفع تقارير عن الاسعار، ولم نأخذ القرار إلا بعد اجراء مقاربة من كل النواحي".
مواجهات
وكانت صيغة أخرى للحل سوّقها رئيس مجلس النواب نبيه بري تقوم على اعطاء 200 الف ليرة لمن راتبهم دون المليون، و300 الف ليرة لمن راتبهم فوق المليون من دون تحديد سقف. وفيما كانت هذه الصيغة تناقش باسهاب في جلسة مجلس الوزراء، حصل خلاف حاد بين وزير العمل شربل نحاس من مجموعة وزراء "تكتل التغيير والاصلاح" الذي يرأسه النائب ميشال عون ووزير الصحة العامة علي حسن خليل عضو المجموعة الوزارية للرئيس بري. وشملت المواجهة وزير المال محمد الصفدي الذي علم انه خرج من الجلسة ممتعضا على خلفية انتقاد نحاس بشدة طريقة التعامل مع الملف المعيشي والحياتي والتغطية الصحية التي اقترحها وزير الصحة.
وبعد مناقشات قرر مجلس الوزراء ان يفوض الى ميقاتي متابعة التفاوض مع الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، ولكن باستثناء وزراء عون. فقد خرج الوزير جبران باسيل مع زملائه ليقول: "كل المقاربة المطروحة وكل هذه الحلول التي تعرض هي مسكنات ونحن معترضون عليها. نحن نبحث عن حل يؤسس لمرحلة جديدة وليس لدوامة جديدة. هذه مسكنات لوقف الاضراب وليست حلولا".
الهيئات الاقتصادية
أما وفد الهيئات الاقتصادية، فقد استبق قرار ميقاتي بالاعلان من السرايا بلسان رئيس جمعية الصناعيين نعمت افرام "أن وضع الاقتصاد اللبناني لا يسمح بأن نعطي من يتقاضى فوق المليون ونصف المليون ليرة زيادة راتب الان وهو ما لا نستطيع قبوله. لا نستطيع ان نعاين انتحار الصناعة اللبنانية امام أعيننا ونسكت".
وعبر رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس عن موقف مماثل للتجار. وأوضح ان الهيئات الاقتصادية ستجتمع اليوم "لأننا جسم واحد ولا خلاف في وجهات النظر".
وكان رئيس وفد الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصار اجتمع في سياق المفاوضات مع ميقاتي في حضور رئيس غرفة الصناعة والزراعة محمد شقير وصرح القصار بأن هذه الهيئات "لم تقبل بأي تسوية وستعود الى الاجتماع غدا (اليوم) للبحث في أي صيغة مطروحة".
الاتحاد العمالي
وفي وقت متقدم ليلا، اعلن رئيس الاتحاد العمالي "تعليق اضراب يوم غد (اليوم) وليس الغاءه"، مشيرا خلال مؤتمر صحافي الى انه "حرصا على السلم الاهلي كان لا بد من انتظار قرارات مجلس الوزراء على رغم تحفظنا عما جاء فيها".
وقال: "اتفقنا على مراجعة الاسعار والاجور سنويا، بحيث ترتبط الاجور بسلم متحرك للأسعار"، داعيا الى "تشكيل المجلس الاقتصادي الاجتماعي، خصوصا انه المنبر الذي يؤمن الحوار الاقتصادي الاجتماعي".
ورأى ان "الزيادة التي طرأت على شطور الاجور لم تكن كافية، وحرمت موظفين وأجراء ومستخدمين زيادة محقة لهم انطلاقا من زيادة الـ200 الف اضافة الى التقديمات الاجتماعية او زيادة منحة التعليم".
كذلك دعا الى التشدد في مراقبة الاسعار وفرض العقوبات اللازمة على المخالفين.
بري
وفي اطار يوم المفاوضات، تصرف الرئيس بري من موقع انه عرّاب الحل، وهذا ما تجلى في اجتماعه تباعا مع وفد الهيئات الاقتصادية، ثم مع وفد الاتحاد العمالي العام الذي انتقل الى السرايا بمسعى من بري الذي اتصل بالرئيس ميقاتي لهذه الغاية. ونقل عن رئيس المجلس قوله لوفد الهيئات الاقتصادية ان المطلوب حل على "الطريقة العشائرية"، "فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم". وفيما لمس ان اعضاء في الهيئات يرفضون الزيادة ولا مشكلة عندهم في الاضراب، صرح لـ"النهار" بأن ممثلي الهيئات عموما "أبدو تجاوبا في تقريب وجهات النظر لا سيما منهم الوزير السابق عدنان القصار". ثم أبلغ ميقاتي هاتفيا أن "ما اتفقتم عليه أمر جيد، واتكل على الله يا دولة الرئيس للسير في هذا الحل".
وعلق بري لاحقا: "لا شك في ان الرئيس ميقاتي يعمل بكل جدية، وهذا انجاز لحكومته. فالرجل ليس عدوا للموظفين والعمال، ويحرص في الوقت نفسه على الهيئات الاقتصادية ودورها في حركة الانتاج". وشدد على دور وزارتي الاقتصاد والداخلية في مراقبة الاسعار لئلا "يتسلم المواطن الزيادة باليمين ويصرفها بالشمال".
اضراب تربوي
وكانت هيئة التنسيق النقابية عقدت اجتماعا بعد ظهر أمس، سبق المفاوضات الماراتونية ليلا وانتظار قرار تعليق الاضراب او السير به، قررت فيه دعوة "كل الاساتذة والمعلمين في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في القطاعين الرسمي والخاص وفي المهنيات ودور المعلمين وموظفي الادارات العامة"، الى الاضراب اليوم. وحضر الاجتماع الذي عقد في مقر رابطة اساتذة التعليم الثانوي الرسمي، ممثلون للرابطة ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة والمجلس المركزي لرابطات المعلمين في التعليم الاساسي الرسمي ورابطة التعليم المهني والتقني ورابطة موظفي الادارات العامة.
لا اضراب
وفي المقابل، أعلنت كل من شركة طيران الشرق الاوسط وجمعية مصارف لبنان وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان وجمعية تجار بيروت انها تعمل كالمعتاد اليوم.

