غير أنّ المحكمة قامت هذا العام بوضع النقاط على الحروف معلنةً صراحةً بأنّ الشهود خط أحمر.
وأظهرت وثائق المحكمة التي كُشفت أمام الجمهور الخميس الماضي، أنّ القاضي دايفيد باراغواناث، الناظر في قضايا التحقير، اتهّم في كانون الثاني 2014 مدير تحرير صحيفة الأخبار ابراهيم الأمين ونائبة مديرة البرامج الاخبارية والسياسية في تلفزيون الجديد كرمى خياط، بتحقير المحكمة وعرقلة سير العدالة.
غالباً ما تُعتبر صحيفة الأخبار الناطق باسم “حزب الله”، وغالباً ما يدافع الأمين عن الحزب ومصالحه. كما وأنّ الصحيفة تندّد دائماً بالمحكمة معتبرةً أنها “مؤامرة ضدّ حزب الله”. ويُعتبر تلفزيون “الجديد” أقل تأييداً لـ”حزب الله” من صحيفة الأخبار، ولكنّه مع ذلك يُنظر إليه كمقرّب من ائتلاف 8 آذار (أي أنه كذلك معادٍ للمحكمة).
وكان الأمين كتب تقريرين إخباريين في كانون الثاني 2013 زعم من خلالهما بالكشف عن هويات العديد من الشهود الذين ينوي المدعي العام استدعاءهم. أما خياط فتزعم المحكمة بأنّها كانت المشرفة على إنتاج وبثّ تقارير صحافية في 6 و 7 و9 و10 2012، واجه خلالها أحد المراسلين شهوداً مزعومين وطرح عليهم أسئلة.
ويتهم كلٌّ من الأمين وخياط المحكمة بالاعتداء على حرية الصحافة ومحاولة إسكات منتقديها، ما دفع القاضي باراغواناث الى استخدام هذه المزاعم في الاتهام الذي وجهّه للصحافيين.
وكتب باراغواناث “لا يجب إساءة استخدام تهمة جرم التحقير كوسيلة تخويف لإسكات أي وسيلة إعلام تعمل ضمن القانون”. وأشار الى أنّه “كما يجب على القضاة، يجب على سائر المجتمع ووسائل الإعلام الامتثال للقانون”.
وينص قانون المحكمة على ضرورة أن تبقى لائحة الشهود الذين ستستدعيهم سريّة، وقد مُنح بعض الشهود إجراءات حماية خاصة. ويُعتبر خرق أي قانون خاص بالمحكمة غير قانوني.
هذا ولن تؤكّد مع ذلك المحكمة على مدى دقة المعلومات (أي إن كان الأفراد الذين ظهروا في التقارير المذكورة آنفاً هم في الحقيقة شهود أو لا)، حيث اعتبر باراغواناث في قرار صادر في 29 نيسان 2013 بأنّ دقة المعلومات ليست مهمة إذ إن نَشْرَ قائمةٍ مزيّفةٍ بأسماء الشهود يمكن أن يكون محاولة “للتدخّل، أو حتى لتهديد أي شهود محتملين من خلال دفعهم الى الاعتقاد بأنّ تلك الإجراءات الوقائية التي تتخذها المحكمة غير كافية، ومن خلال إثارة مخاوفهم”.
وبخصوص تهمة خيّاط، لاحظ باراغواناث بأنّ أحد تقارير الجديد تضمّن هذه الملاحظات التي يكتبها رئيس التحرير: “لماذا تهاونت المحكمة بسهولة مع وضع الشهود السري، وكيف وصلت أسماؤهم إلينا، وأين الحماية التي وُعدوا بها؟ هذه المحكمة مخروقة […]. شهودها مكشوفون أمام وسائل الإعلام”.
وقد قدّم المحقّق للقاضي أدلّة كافية على أنّ تقارير الجديد وصحيفة الأخبار أرهبت- على حد سواء- الضحايا والشهود الذين سوف يمثلون أمام المحكمة.
وبدورها أشارت خياط في مقابلة هاتفية مقتضبة لها مع NOW الى أنّ أسماء الشهود المزعومين لم تُنشر، ووجوههم كانت مغطاة، لتدافع بذلك عن اتهام المحكمة للمحطة بأن التقارير هدفت الى ترهيب الشهود.
والصحافيان مدعوان للمثول أمام المحكمة في 13 أيار، ويمكن أن يواجها عقوبات قد تصل الى سبع سنوات سجن، أو يدفعا غرامة بقيمة مئة ألف يورو.
وفي هذا السياق، قال المتحدّث باسم المحكمة الخاصة بلبنان مارتن يوسف لـNOW إنّ الصحافيَّين يمكن إما أن يسافرا الى لايشندام شخصياً، أو التواصل مع [المحكمة] عبر الفيديو من بيروت، أو إرسال محاميَين ينوبان عنهما إما شخصياً أو من خلال رابط.
هذا ولم نستطع الوصول الى الأمين للحصول على تعليقه، في حين قالت خيّاط لـNOW إنها ومحاميها كانا يدرسان كيفية الرد على قرار المحكمة. وفي حال لم يمثلا أمام المحكمة، فإنّ هذه الاخيرة يمكن أن تصدر مذكرات توقيف بحقهما، كما قال يوسف، مشيراً الى أنهما سوف يحاكمان كما كل من قد يُتهم بخرق القانون.
وكان المحقّق الخاص الذي عيّنته المحكمة في تموز 2013 للنظر في ادعاءات التحقير موكلاً بمهمة إيجاد مصدر أسماء الشهود المزعومين، حيث قال يوسف، المتحدث باسم المحكمة لـ NOW، إنّ المحقّق المعروف بلغة المحكمة باسم صديق المحكمة، يحقّق مع موظفي المحكمة الخاصة بلبنان الحاليين والسابقين ليرى إن كان قد تمّ تسريب أي معلومات من المحكمة.
وفي قراره المتعلّق باتهام خيّاط والأمين، كتب باراغواناث “استنتج صديق المحكمة أنّه في حين زُعم بأنّ مثل هذه المعلومات سُرّبت من داخل المحكمة، فإنّ الأدلة التي جُمعت أثناء تحقيق صديق المحكمة أدّت الى استنتاج أنّه “من غير المرجّح” أن تكون أي من هذه المعلومات مصدرها المحكمة”.
وقال يوسف إنّ المحقّق سوف يستمر في محاولة إيجاد مصدر المعلومات، ذلك ان التحقيق في قضية تحقير المحكمة لم ينتهِ بعد بما أنّ التحقيق لا يزال جارياً في مثال ثالث على نشر أسماء شهود مزعومين.
وفي حين أنّ المثال الثالث مكتوب في معظم وثائق المحكمة، فقد أظهر ملف لمكتب الدفاع يعود الى نيسان 2012 بأن المحكمة تحقّق بأمر مجموعة اسمها “صحافيون من أجل الحقيقة” لنشرها أسماء شهود مزعومين. وكان قيام هذه المجموعة بقرصنة موقع صحيفة المستقبل الإلكتروني قبل عام ونيّف هو الذي أطلق عملية التحقيق في قضية التحقير في المقام الأول.

