ليلة مع النازحين… والذين يولدون في العراء

النازحين السوريين
هذه الحياة يا صديقي اللّاجئ ستقسو عليك وستروّضك لتشعر أنّه يجب عليك أن تتسوّل كل شيء. صدّقني، سيحوّلونك إلى الإنسان المنبوذ وسيطوّعونك لترضى بالقليل. وفي لحظات، قد تصدّق ذلك. سأخبرك أكثر من ذلك، سيلومونك لماذا تركت أرضك وينسون وطأة الخوف تحت وابل الرصاص. لن يلوموا الرصاص. الرصاص قويّ. سيلومونك أنت.

أمضى أحد أصدقائي ليلةً مع إحدى العائلات في خيمة للنازحين السوريين في مدينة زحلة. كان يريد أن يعرف وأن يختبر ما يشعرون به. حمل إليهم سندويشات وشرب معهم الشاي الذي يحبّونه “حلو” على حدّ قوله. رأى الأب يستيقظ عند الفجر ليشعل التدفئة للرضيعة التي عجزت عن النوم. ولفته أنّ الصغار كانوا يتهافتون على دفتره ليرسموا. تكاد تكون رسومات الأطفال السوريين كلّها عن الدمار والحرب. يقبلون على الأوراق بنهم لأنّها الوسيلة الوحيدة التي يملكون ليعبّروا عن المشاعر المتضاربة في داخلهم.

كانت لي زيارة منذ فترة إلى مخيّمات اللّاجئين في عرسال. في إحدى الخيم، جلست مع نساء من أعمار مختلفة. كان صحن بزر دوار الشمس يتوسّط الخيمة التي تنام فيها ستة نساء وأطفالهن. إحداهنّ – الأكبر سنّاً – أصرّت أن أشرب معهنّ “المتّة”. حاولت أن أفعل ذلك لكن لم أعرف كيف أسحب من القشّة (المصاصة) بشكل جيّد. راحت المرأة تضحك وهي تقول لي “يسعدِك” و”يبعتلِك إيّام حلوة”.

إحدى الفتيات كانت تنسج التريكو وتخطّط لبيع إنتاجها حين تنتهي. أخرى كانت حامل ولا تعرف مصير زوجها. النساء كنّ يتكلّمن بتحفظ في بداية الأمر وحتّى حين بدأن يتكلّمن عن مأساتهن، بقي الكبرياء سيّد الموقف. كنّ يضحكن أو يبتسمن ابتسامات خفيفة. وحين سمعت سعالاً آتياً من زاوية الخيمة، التفتت لأعرف مصدره. كان طفلاً صغيراً غطّته أمّه حتّى أعلى رأسه لأنّه مريض.

لا أريد القول إنّي خرجت متألّمة على أحوالهنّ وأحوال رجالٍ قابلتهم هناك. لن أقول إنّي خجلت من نفسي وما إلى ذلك، لأنّ ألمي وخجلي لن يغيّرا من أحوال الدنيا. المسألة ليست متعلّقة بإنسانيتي كما أنّها ليست متعلّقة بإنسانية المجتمع الدولي والكون بأسره.

هؤلاء الأشخاص لا يحتاجون أن يكونوا تأكيداً على وجود إنسانيّتنا ولا انعدامها. المسألة لا تتعلّق بالتعاطف. إنّها مسألة حقّ ليس لأحدٍ منّا منّةً فيه. إنّها مسألة حق وقدر. قدرهم المأساة لأنّ هذا الحق غير متوفّر. وماذا سنعرف نحن الذين نجلس في منازلنا، تحت البطانيات وقبالة وسائل التدفئة عن أولئك الذين يولدون في العراء أو يجدون أنفسهم في العراء؟

لا أحد – لا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات – يحبّ الإنسان الضعيف، الإنسان المأزوم. قد يقدّم له العطف ولكن ليس الحبّ. ربما هي الطبيعة البشرية. العالم اعتاد الانصياع لمنطق القوة وليس جميع أبناء الكون أبناءنا كما تقول الخرافات والشعارات.

هذه الحياة يا صديقي اللّاجئ ستقسو عليك وستروّضك لتشعر أنّه يجب عليك أن تتسوّل كل شيء. صدّقني، سيحوّلونك إلى الإنسان المنبوذ وسيطوّعونك لترضى بالقليل. وفي لحظات، قد تصدّق ذلك. سأخبرك أكثر من ذلك، سيلومونك لماذا تركت أرضك وينسون وطأة الخوف تحت وابل الرصاص. لن يلوموا الرصاص. الرصاص قويّ. سيلومونك أنت.

سيزجّون بك في أتون الصراعات الدولية على السلطة كما يفعلون منذ أكثر من سنتين. سيأتون لك بالتكفيريين والداعشيين ليخفوا الوحش القابع في داخلهم، الوحش المتحضّر والشرعي. سينسون أنّك قابع على أطراف بلادٍ ما بلا تعليم، بلا طعام وبلا مأوى. وعندما تخطئ أو تتحوّل إلى إنسان خارج عن القانون، سيشيرون إليك بأصابعهم ليقولوا أنّهم على حق.

ولكن في داخلك، ستعرف دائماً أنّ قضيتك قضية حرّيّة وأنّ هذا البرد سيعبر وستثبت أنّك أنت شعلة النار. حسبي أن تكون أنت شعلة النار. حسبي ألّا يذهب هذا العراء سدى يا صديقي. حسبي ألّا تكون هذه الحياة دوّامة من اللّاعدل. حسبي ألّا تصبح جثثك غذاءً لمنطق القوة. حسبي ألّا يكون هذا العراء هو الحياة. حسبي أن تكون امتحان اللّه لهم. حسبي ألّا ينتصر الشرّ. حسبي ألّا يكون القدر نهاية.

أولئك الذن ينامون في العراء لم يأتوا إلى لبنان والأردن وتركيا طمعاً بخيرات البلاد. أولئك يدفعون ثمن قسوة القدر من جلدهم. أولئك فقدوا أحبّاءهم ومنازلهم. ونحن المفجوعون في إنسانيتنا، نحن الذين يجب أن ننحني لهم لأنّنا لم نعرف كيف نتقاسم معهم نِعم الحياة، نحن أنفسنا، هؤلاء الذين لا يفعلون شيئاً، أو ربما لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً.

السابق
طبّ الأعشاب في لبنان ظاهرة مافياوية
التالي
الجراح: تصرفنا كقبائل مع النازحين السوريين وبعضهم لايريد ان يزعل بشار