تبددت موجة الهياج السياسي والإعلامي التي طافت في فضاء المنطقة عشية زيارة وزير الخارجية التركي إلى سورية ، بعد ست ساعات من الاجتماعات التي عقدها داود اوغلو في دمشق وأعرب بعدها عن تمسك تركيا بالعلاقات الأخوية مع سورية وعن الثقة بأن سورية بقيادة الرئيس الأسد ستكون نموذجا للعالم العربي بعد تنفيذ الإصلاحات التي أقرتها القيادة وعلى الرغم من حرص الوزير التركي على الإيحاء في كلامه اللاحق من أنقرة بأن القيادة التركية تنتظر وتترقب ما سيجري في سورية لمحاولة إبقاء جسر بين ما قاله في دمشق وبين اللهجة والنبرة اللتين ميزتا تصريحاته قبل الزيارة .
أولا: من الواضح أن المراهنة على اندفاع تركيا في عمل عدائي ضد سورية والكلام الكثير الذي تردد عن توقع تدخل عسكري تركي ولو في حدود إقامة شريط داخل الأراضي السورية قد تكشف عن هراء كامل وثرثرة فارغة لأن حسابات توازن القوى القاهرة فرضت على الأتراك إعادة النظر بمواقفهم.
لقد تحول الرهان على دور تركي في تهديد سورية إلى محور حاسم في حسابات التصعيد الأميركي و السعودي و الخليجي و الأوروبي لأن جميع الأطراف تراهن على القوة التركية بينما لا تملك أي منها القدرة على المغامرة ، فالحلف الأطلسي عالق في المأزق الليبي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعيشان تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية التي تنذر بإعصار جديد أشد هولا من انهيار البورصات العالمية الأخير في حين بالكاد يستحق النقاش العلمي احتمال تخطي حدود الكلام في مواقف الحكومات العربية المتورطة .
ثانيا العلاقات السورية التركية تفرض بأي عاقل أخذ مجموعة من العوامل بالاعتبار سبق للجنرالات الأتراك وللعديد من الخبراء في أنقرة أن أثاروها في وجه اللهجة المتطرفة التي اعتمدها قادة العدالة والتنمية نحو سورية أهمها تماسك الجيش السوري في ولائه للرئيس بشار الأسد الذي يحظى أيضا بمساندة صريحة و قوية من غالبية شعبية سورية واضحة :
العامل الأول إن أي جهة تركية تفكر في شن عدوان على سورية ملزمة بأن تضع في حسابها أن المواجهة سوف تثير مجددا ملفات النزاع وخصوصا الأراضي والحقوق السورية في لواء الاسكندرون والتي قبل الشعب السوري بطيها لصالح منطق الشراكة والأخوة التي كرسته مبادرات الرئيس الأسد نحو تركيا على أساس التصدي المشترك لعدوانية لإسرائيل ولمشاريع الهيمنة على المنطقة بعد احتلال العراق وأي تحرك عدواني تركي من شأنه أن يولد ميلا في الشارع السوري قد يرغم القيادة على إعادة الاعتبار لتلك الأراضي والحقوق في جدول العلاقات بين دمشق وأنقرة.
العامل الثاني يشكل الموضوع الكردي هاجسا تركيا مستمرا ، يخشى قادة العدالة والتنمية استحضاره منذ ظهور زعماء الأخوان المسلمين والجماعات المتحالفة معهم في اسطنبول ،و بعد انكشاف الرعاية والدعم اللذين قدمتهما حكومة اردوغان للمعارضة السورية ، وبصورة خاصة ما تكشفت عنه أحداث جسر الشغور من تقديم أسلحة و أجهزة اتصالات وغيرها من الأدوات التي استخدمت في خطة التخريب، هذه الخشية التركية دائمة و مستمرة من خطوات مقابلة يمكن للقيادة السورية أن تتخذها ، وهي أحجمت عنها حتى الساعة ، على الرغم من كونها تمثل ردا موازيا تحت الحزام بإحياء التسهيلات أو غض النظر في الجانب السوري عن نشاط حزب العمال الكردستاني الذي أعلن زعيمه عبدالله أوجلان عن بدء حملة هجومية جديدة داخل تركيا يعرف القادة الأتراك مقدار الأذى التي يمكن أن تحمله لو استندت إلى قواعد آمنة على الحدود السورية .
العامل الثالث الحسم السريع الذي قام به الجيش العربي السوري في حماه بعد فترة من طول البال التفاوضي واختبار العلاج السياسي في محاولة تفكيك الواقع الذي فرضه مسلحو الأخوان وجماعات التكفير على مدينة حماه طيلة خمسين يوما، هذا الحسم أغلق جميع نوافذ الرهان على وجود مناخ يمكن استثماره في الداخل السوري من قبل تركيا أو غيرها وحيث بات الجانب التركي حريصا في ضوء النتائج على الاحتفاظ بفرص استمرار التواصل مع القيادة السورية التي أظهرت الأحداث مناعتها و ثباتها و تصميمها على الإصلاحات التي ليست سوى ذريعة في خطاب الضغوط و التهديدات .
العامل الرابع تقود الحسابات الواقعية إلى أن أي تحرش بسورية سيكون نذيرا لحرب إقليمية كبرى وقد اضطر قادة الولايات المتحدة وتركيا لأن يضعوا في حساباتهم أن سورية قد تجد في جبهة الجولان الوجهة الأنسب للرد على أي اعتداء وهي الخطوة التي قال الخبراء الغربيون والإسرائيليون أنها ستقلب الطاولة وتفرض معادلات جديدة وهي الخطر الكبير الذي يحاول الرئيس الأميركي إبعاده بينما تشير جميع المعلومات إلى أن إسرائيل ليست جاهزة لتحمل كلفته التي قد تكون مهددة لوجود إسرائيل من أصله مع انضمام المقاومتين اللبنانية والفلسطينية إلى الحرب وحيث تفيد بعض التقارير أن تركيا تلقت رسائل إيرانية قاسية عن مثل هذا الاحتمال وعن عدم وقوف إيران على الحياد.
العامل الخامس راهن البعض على إمكانية صرف التصعيد الكلامي بقطيعة اقتصادية تركية مع سورية تحت عنوان الحصار والعزل وفي المعاينة الدقيقة يتبين أن مثل هذا القرار سيكون حماقة تضر بالمصالح التركية أكثر بكثير من درجة إضرارها بالمصالح السورية فالعارفون يدركون تماما أن قطاعات اقتصادية سورية كثيرة تضررت من تحرير التجارة بين البلدين وهي تشكو من وطأة المنافسة التي تضر بمصالحها وحيث ستكون القطيعة إنعاشا لها داخل السوق السورية.
خامسا التهويل على سورية تراجع و قد سكب الرئيس الأسد سيلا من الماء المثلج على الرؤوس الحامية في المنطقة و خارجها و مد للقيادة التركية سلم النزول عن شجرة التصعيد لترتد إلى عقلانية المصالح .
هذه المعطيات جميعا فرضت على بعض المحللين الواقعيين الاستنتاج و الجزم بأن الخارج كله من واشنطن لإلى باريس فأنقرة لن يستطيع نجدة المعارضة السورية بغير الخطب و القليل من العقوبات و أن العبرة في النتائج ستكون في التوازن السوري الداخلي الذي يحكم الصراع بين الدولة الوطنية السورية و المعارضة ، و هذا الصراع تفصل فيه القيادة السورية بكل حزم بين عصابات الإرهاب و التكفير التي تقوم بواجب تفكيكها وتصفية معاقلها ، و بين المطالبين بالإصلاح الذين يدعوهم الرئيس الأسد للحوار و للشراكة و المنافسة في صناديق الاقتراع.

