الجمهورية: طرابلس تحت النار وبرّي اقترح خطّة لإنقاذها

كتبت “الجمهورية ” تقول : عاد التدهور الأمني في طرابلس بجولته الـ 18 ليتصدّر الاهتمامات الداخلية، ويُسيل مزيداً من دماء أبناء المدينة والجيش اللبناني على يد المجموعات المسلّحة، وعلى وقع تداعيات الأزمة السورية المستمرّة على لبنان. وفي موازاة الحراك الدولي لعقد “جنيف ـ 2” الذي أكّدت سوريا بلسان نائب وزير الخارجية فيصل المقداد أنّ أيّ قرار لن يصدر عنه إلّا بموافقة الرئيس بشّار الأسد، ظلّ الإتفاق النووي الغربي مع إيران في صدارة الاهتمامات السياسية، وسط سعي طهران الحثيث إلى فتح صفحة جديدة مع دول الجوار وطمأنتِها إلى أنّ هذا الاتفاق يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، ولن يكون على حساب أيّ من بلدانها.
وفي هذه الأجواء، علمت “الجمهورية” أنّ وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أبدى رغبته في زيارة السعودية بعدما زار الكويت وسلطنة عمان أمس ويفترض أن تشمل جولته لبنان لإطلاع المسؤولين على أجواء اجتماعات جنيف التي تكلّلت بإبرام الاتفاق النووي.

برّي يلتقي السنيورة
وفي الحراك السياسي الداخلي، برزت أمس زيارة رئيس كتلة “المستقبل” فؤاد السنيورة لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي استبقاه الى الغداء، وعرضا للأوضاع والتطورات الراهنة ولعددٍ من الملفات المطروحة. واكتفى السنيورة بعد اللقاء بالقول: “إنطلاقاً ممّا بدأناه باللقاءات المتتالية للبحث في شتّى القضايا المطروحة، كان هذا الاجتماع استمراراً لهذا المناخ، والأجواء جيّدة، وسنتابع هذه اللقاءات”.
وقال بري لـ”الجمهورية” ردّاً على سؤال عن لقائه السنيورة “إنّ الكلام أفضل من اللاكلام”، مشيراً إلى أنّ الوضع في طرابلس حاز على القسط الاكبر من اللقاء، وتلقّى خلاله عدداً كبيراً من الاتصالات من قيادات طرابلسية تشدّد على وجوب تحقيق الامن والاستقرار في عاصمة الشمال.

خطّة برّي
وعلمت “الجمهورية” أنّ برّي كان اقترح قبيل زيارته الأخيرة لطهران على رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي خطّة شخصية لإنقاذ طرابلس ممّا هي فيه تضمّنت النقاط الآتية:
1ـ إنتشار الجيش والقوى الامنية في كلّ انحاء طرابلس بلا استثناء، خصوصاً أنّه يتضرّر من الفريقين، وإعطاؤه الغطاء لتنفيذ الإجراءات التي تحقّق الهدوء والاستقرار في المدينة.
2ـ تغيير بعض القيادات والمراكز الامنية والعسكرية ورؤساء المخافر العاملة في المدينة.
3ـ أن يتصالح ميقاتي والوزير محمد الصفدي ويعملا وجميع وزراء طرابلس وقياداتها على معالجة شؤونها لأنّ من شأن ذلك ان ينعكس إيجاباً على الشارع الطرابلسي.
4 ـ أن يقيم ميقاتي والوزراء في مكاتبهم ومنازلهم في طرابلس لبضعة أيام كلّ أسبوع، ويلتقوا القيادات والفاعليات والمواطنين في المدينة، ويستمعوا إلى مواقفهم ومطالبهم، ويعملوا على معالجتها، إذ لا يجوز تركهم لأقدارهم، وإنّ من شأن هذه الاجتماعات ان تخفّف التشنّج وتساهم في إشاعة أجواء إيجابية في المدينة.

طرابلس تنزف
وكان الوضع الأمني قد تدهور في اليومين الماضيين، ولم تفلح في لجمه الإجراءات العسكرية ولا المعالجات السياسية ولا الإستنابات القضائية، فاحتدمت المعارك على مختلف المحاور في التبّانة وبعل محسن وأوقعت 11 قتيلاً بينهم جنديّ في الجيش اللبناني، وأكثر من 60 جريحاً بينهم عدد من العسكريين. وأفيد ليل أمس انّ انفجاراً دوّى في محلّة جبل محسن، وأفادت معلومات امنية انّه ناجم من تفجّر مستودع ذخيرة في أحد المباني.
وأشارت هذه المعلومات الى أنّ “الحزب العربي الديموقراطي” سيوسّع هجومه في الساعات المقبلة، ليشمل أطراف طرابلس كافةً. وأفاد قريبون من أمينه العام رفعت عيد أنّه طلب من الأهالي مغادرة المنطقة الى أماكن أكثر أماناً نحو الساحل.
وكشفت مصادر مُطلعة لـ”الجمهورية” انّ القيادات الأمنية قوّمت الوضع ليل أمس وقرّرت تنفيذ تدابير أمنية مشدّدة خلال الساعات القليلة المقبلة.
وقال مرجع امنيّ رفيع لـ”الجمهورية” أن ليس مسموحاً إنفلات الأمور في طرابلس من عقالها، ومن يعتقد أنّه أقوى من القوى الأمنية المكلّفة أمن المدينة والتي باتت جميعها بإمرة الجيش اللبناني فهو مخطئ كثيراً.
ومن يرتكب الخطأ الأكبر هو من يعتقد أنّه يستطيع مواجهة القوى العسكرية والأمنية. وأشار الى أنّ الساعات المقبلة ستشهد تشدّداً في التعاطي مع المجموعات المسلّحة التي استهترت بالقوى الأمنية.

ميقاتي يصارح
وقد دفع الوضع المتدهور بميقاتي الى مصارحة أبناء مدينته قائلاً إنّه “لم يبقَ سبيل لم أسلكه لوأد أحداثٍ أدمت قلوبنا وقتلت أبناءنا ودمّرت أرزاقنا، حتى الإستقالة لم أتردّد في الإقدام عليها عسى ان يكون ذلك مدخلا لإنهاء الاحداث الاليمة في لبنان، خصوصاً في طرابلس، وبدء مرحلة جديدة من التعاون بين جميع القيادات اللبنانية لحماية لبنان وأهله”.
وكشفَ أنه قرّر “بالتوافق مع جميع نوّاب المدينة اتّخاذ موقف موحّد حيال أيّ خلل أو تلكّؤ ـ لا سمح الله ـ في تنفيذ ما اتّخذ من قرارات، وستكون لنا كلمة واحدة حيال ما يجري، فلا رئاسة دائمة ولا نيابة تدوم ولا زعامة تفيد ولا شيء يستحقّ سقوط الأبرياء وتدمير طرابلس الحبيبة”.
من جهته، أكّد السنيورة أنّ “الوضع في طرابلس لم يعد في الإمكان مداواته بالمراهم وبالإجراءات الظرفية أو العابرة، وأنّ هناك حاجة لقرارات حازمة يتمّ تنفيذها، حتى لو اقتضى الأمر تغيير رؤساء الاجهزة الامنية والعسكرية في المدينة من أجل ان يسود شعور بأنّ هناك أمراً جديداً سيُطبّق”.

ريفي
في غضون ذلك، ردّ اللواء اشرف ريفي على ميقاتي سائلاً إيّاه: “ماذا تنتظر يا دولة الرئيس؟ إعتكِف وارفع الصوت واتّخذ القرار لوقف هذه الجريمة، وإلّا فلن تقبل منك طرابلس أنت وجميع المقصّرين أو المتآمرين من أمنيّين وسياسيين، أقلّ من الرحيل، لأنّ دماء الأبرياء لا ترحم”.

ردٌّ على الردّ
وردّت مصادر ميقاتي ليلاً على ريفي بقسوة، وقالت لـ”الجمهورية”: “نستغرب مواقف اللواء ريفي، ليس على المستوى الشخصيّ، فهو لا يتوقف عنده بتاتاً، إنّما على المستوى السياسي، ولا بدّ من تسجيل بعض الملاحظات، فهو اليوم يوزّع النصائح يمنةً ويسرةً ويقترح ما لم يفعله أيّام تولّيه مواقع المسؤولية الكبرى.
ولمن تخونه الذاكرة فإنّ كثيرين يدركون أنّ أوّل تسليح في طرابلس كان برعايته من موقعه الرسمي في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عندما شُكِّلت “أفواج طرابلس” في منتصف أيّار 2008، أي قبل ستّ سنوات، برعايته ومشاركته وإشرافه.
وأضافت المصادر: “يتذكّر الجميع انّ الجولة الأولى من العنف في طرابلس كانت في”يوم الغضب”، وقد حظيَ الغاضبون برعاية ريفي يومها، وكان ذلك قبل ثلاث سنوات، وتحديداً في حزيران 2010 بعد تسمية ميقاتي رئيساً للحكومة”.
ورأت أنّ “هذه التصرّفات المريبة لم تقف عند هذه الحدود، فالجميع يتذكّر تصريح اللواء ريفي الشهير بعد إحالته الى التقاعد، حيث تفهّم فيه ما يقوم به قادة المحاور والمجموعات المسلّحة التي تعيث فساداً في المدينة، وهو بذلك كرّس وقوع 15 جولة عنف من أصل 18 جرت عندما كان مديراً عامّاً لقوى الأمن الداخلي، فما الذي فعله في تلك الفترة؟
ولماذا لم تكن لديه كلّ هذه المقترحات التي يتحفنا بها من يوم لآخر؟” وختمت: هل إنّ الأمر اليوم بات رهناً بمواقف إنسان خارج إطار المسؤولية يستسهل الإتّهام والتجنّي بلا رادع سياسي أو غير سياسي، فما الذي منعه عمّا يقترحه اليوم؟ أم أنّ الأمور سهلة بالنسبة إليه اليوم، حيث المعارضة مجانية والتنظير من بُعد صار مشروعاً؟”
وردّت أوساط قريبة من ريفي على مصادر ميقاتي، فقالت: “لنترك الردّ والحكم لأهل طرابلس. فليحكموا ماذا قدّمت لهم هذه الحكومة من أمن وتنمية ورفاهية”. وأضافت: “اللواء ريفي على الأقلّ كانت لديه الجرأة في التحدّث مع أبناء الأحياء نهاراً وجهاراً، وليس كمَن يستقبلهم سرّاً وليلاً، ويدفع لهم الأموال ويتنكّر لهم نهاراً ويسمّيهم قادة محاور”.

أوساط سياسية
وفي هذا السياق، قالت أوساط سياسية إن تخاذل الدولة في تحمّل مسؤولياتها الأمنية والقضائية وتحديداً بتلكئها عن توقيف رئيس “الحزب العربي الديموقراطي” بعد رفضه المثول أمام القضاء للتحقيق معه في المعلومات عن تورط قريبين منه في تفجيري طرابلس، فضلاً عن تحدّي نجله رفعت القضاء وشعبة المعلومات، كما استمرار القنص من “الجبل”، إن كل هذه العوامل وغيرها ساهمت في تعميم الفوضى وانتشار السلاح، فيما المطلوب موقف حازم من الدولة بتوقيف المتورطين في التفجيرين مهما علا شأنهم، ومن ثم القيام بحملة لتجريد الجميع من السلاح تنفيذاً لشعار”طرابلس منزوعة السلاح”.

كبارة
وفي المواقف، قال النائب محمد كبارة لـ”الجمهورية” إنّه تقرّر خلال الاجتماع مع ميقاتي أمس الأوّل “أن تكون المسؤولية على عاتق الجيش اللبناني وأن تكون الأجهزة الأمنية تحت إمرته. وما حصل أمس الأوّل وأمس يُبيّن أنّ مدينة طرابلس تستهدفها العصابة المسلّحة في جبل محسن، حيث يتواصل القنص على المدينة عبر مئات القنّاصين وبطريقة متطوّرة، وانهمار القذائف الصاروخية العنيفة”.
وطالب كبارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقائد الجيش العماد جان قهوجي بـ” القيام بدورهما في حماية الناس والمدينة، ووضع حدّ للمجموعات المسلحة في جبل محسن من خلال الردّ بحزم وجدّية ومباشرة على مصادر القنص. فنحن سلّمنا أمرنا للجيش اللبناني مع صلاحيات مطلقة لكي يقوم بدوره، والمفروض ان يكون موقفه حازماً وصارماً”.
وذكّر بما كان أعلنه النظام السوري بأنّه “لن يدع أحداً في دول الجوار يرتاح، وفعلاً لا يدعنا نرتاح، والشمال اليوم هو المستهدف دائماً منه ومن مجموعاته المسلحة في جبل محسن”.

علوش لـ”الجمهورية”
بدوره وصف القيادي في تيار “المستقبل” النائب السابق مصطفى علوش لـ”الجمهورية” بيان ميقاتي بأنّه “إستقالة من مسؤوليته نهائياً، والسؤال الآن: ماذا يبقى له من دور بعدما استقال من رئاسة الحكومة أوّلاً، ومن مسؤوليّاته ثانياً؟”
وإذ أكّد علوش أن “لا معالجات للوضع في طرابلس”، قال: “يمكن ان تتوقف الإشتباكات في أيّ لحظة أو أن تستمرّ يومين أو ثلاثة ايام، لكن لا شيء أكثر، والوضع لن يسلم إلّا بالقبض على رفعت عيد وسحب السلاح من الجميع بدءاً من جبل محسن، ثمّ من طرابلس فينتفي حينها وجود أيّ مبرّر لدى أيّ شخص لحمل السلاح، ونقطة على السطر”.

رحيم
أمّا عضو “هيئة العلماء المسلمين” الشيخ نبيل رحيم فحمّل الحزب “العربي الديموقراطي” مسؤولية بدء المعركة، وقال لـ”الجمهورية” إنّ الحزب “بدأ يستهدف المدارس والطلاب بالقنص في أسلوب قتاليّ جديد، وأسفر القنص في اللحظات الأولى عن مقتل 4 أشخاص وجرح عشرة، وتعمّد مقاتلو الحزب استهداف المدارس والطلّاب لترويع الأهالي، قبل أن يأتي الجيش بآليّاته لإنقاذهم ونقلِهم الى منازلهم”، ورأى أن “لا أفق محدّداً لوقف إطلاق النار، لأنّ كلّ المبادرات السياسية والأمنية فشلت حتّى الساعة”. وأكّد أن “لا علاقة لاعتقال حاتم الجنزرلي بإشكالات طرابلس، حسبما سوّق إعلام “حزب الله” بأنّه اعتُقل لأنّه قائد محور، بل لأنّه أطلق النار بعد إشكال فرديّ مع إحدى العائلات”.

عيد
وعلى المقلب الآخر، أكّد المسؤول السياسي لـ”الحزب العربي الديموقراطي” رفعت عيد أنّ “الحزب ما زال عند قراره الوقوف خلف الجيش وقائده”، مُشدّداً على أن “لا أمن إلّا من خلال التسوية السياسية”.

“حزب الله”
إلى ذلك علّق حزب الله في بيان أمس على ما أوردته بعض وسائل الإعلام عن وجود عناصر وخبراء عسكريّين منه في جبل محسن، فنفى فيه هذا الأمر، واعتبره “ادّعاءات باطلة لا تستند إلى أيّ أساس أو دليل”، ورأى فيه “محاولة يائسة لإعطاء ما يجري من أحداث أليمة ومؤسفة أبعاداً أخرى لتضليل الرأي العام عن حقيقة ما يجري”.
وقال البيان: “إنّ حزب الله، الذي طالما دعا إلى تغليب منطق الحكمة والعقل، وإفساح المجال أمام القوى الأمنية وأجهزة الدولة للقيام بواجباتها في حماية المواطنين وأرزاقهم وحفظ أمنهم، يؤكّد مرّة أخرى أنّ الحلّ السياسي المدعوم من الجميع هو الذي ينهي هذا النزيف القاتل في المدينة، ويعيد الأمن والسلام إلى ربوعها، ويوقف العصابات الإجرامية عن التمادي في اعتداءاتها بحق المدينة وأهلها”.

الجميّل وأبادي
في مجال آخر، وفي خطوة لافتة، لبّى رئيس حزب الكتائب أمين الجميّل مساء امس الأوّل دعوة السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي إلى مأدبة عشاء في منزله، ورافقه نائب رئيس الحزب سجعان قزي وعضو المكتب السياسي الوزير السابق سليم الصايغ.
واعتبرت مصادر مطلعة هذا اللقاء “بمثابة بداية لخلق مناخ جديد، خصوصاً أنّه يأتي بالنسبة إلى “الكتائب” بعد مهرجانها الحاشد في “البيال” في ذكرى تأسيس الحزب وخطاب الجميّل الجامع والذي سأل فيه “ما بال حزب الله يرفع الصوت ضدّ الشركاء في الوطن ويخرج عن الانتظام العام ويطرح نمط حياة غريب عن حياة اللبنانيين وعن تقاليد لبنان وهويته؟”، معتبراً “أنّ حزب الله في مواقفه الأخيرة يضع نفسه في أخطار لا طاقة له ولا للبنان على تحمّلها، والتفرّد في تقرير مصير اللبنانيين، وهذا أمر مرفوض”. كذلك يأتي هذا اللقاء بين الجميّل وأبادي بعد الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية الست.

السابق
الأخبار: طرابلس تشتعل 10 قتلى وتهديدات متبادلة بالحصار
التالي
البناء: لا نتائج لاجتماع بري ـ السنيورة والاستحقاقات تنتظر التوافقات الإقليمية