كتبت “السفير ” تقول: غرقت طرابلس بدماء أبنائها أمس.
والمفارقة، أن جولة العنف الرقم 18 في طرابلس لم تكن مفاجئة، ذلك أن كل المؤشرات في الأيام الماضية كانت تنبئ بمواجهة جديدة “حتمية”. ومع ذلك، تُركت الأمور على غاربها، ولم يسجل أي تحرك وقائي حقيقي لمنع الانفجار قبل وقوعه، ولحماية الخطة الأمنية، الحديثة العهد، من الانهيار.
ليست الخطة الأمنية فقط هي التي سقطت في طرابلس، بل سقط معها بـ”الضربة القاضية” سياسيو المدينة وقادتها المفترضون الذين فقدوا ما تبقى من مصداقية، ونُزعت عنهم آخر أوراق التوت، لاسيما ان أحدا لم يعد يصدق بياناتهم المنتهية الصلاحية.
وكأنه لا يكفي طرابلس أن تصبح رهينة قادة المجموعات المسلحة الذين يُمسكون بخطوط التماس وخطوط الطول والعرض في المدينة، حتى ظهر “أولياء الدم” في باب التبانة وجبل محسن، فاقتحموا المشهد وتحولوا بين ليلة وضحاها الى أحد أرقامه الصعبة.
وأما الجيش اللبناني، فيدفع، شأنه شأن المواطنين، ثمن العجز الرسمي والنقص في الغطاء السياسي، وهو الذي سقط له في اليومين الماضيين عدد من الشهداء والجرحى، وبدا محاطا بحزام من النار والتحريض السياسي الممزوج بدعوات الحسم والرد، لكأن هناك من يريد اسقاط الجيش في كل لبنان، لكن عبر بوابة الفيحاء.
إنها جولة من الحرب المتعددة الأوجه التي تعصف بعاصمة لبنان الثانية… حرب يتم في كل مرة اختراع أسباب لها، “غب الطلب”، لتبقى المدينة مقيمة على خط التوتر الدائم، كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات المحلية والاقليمية.
الحرب التي “تقضم” ميزات طرابلس من التنوع والتعايش والوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وتهدد نسيجها الاجتماعي، وكيانها الاقتصادي.
الحرب التي يُردّ فيها على الدم بالدم، تحت شعار “أولياء الدم”.
الحرب التي لم تعد تميز طرابلس عن سائر المدن السورية التي يتقاتل أهلها مع النظام وضده… وأحيانا بشكل عبثي.
حرب يخوضها أهل طرابلس ضد أنفسهم، فيغتالون سمعتهم وتاريخهم بأيديهم، ويحاصرون مناطقهم برصاص قناصيهم، ويعزلون مدينتهم بانفعالاتهم، ويحتجون على ظلم دولتهم بتعطيل مصالحهم، ويواجهون خصومهم بقطع الطرق على أبنائهم، وبزعزعة أمنهم وتدمير ممتلكاتهم وقتل أطفالهم…
الحرب التي تستخدمها جهات سياسية للتضحية بمدينة من وزن طرابلس، فتقاتل بخزان بشري لطالما اعتمدت عليه سياسيا وانتخابيا، بهدف تحقيق مكاسب محلية، أو لتسديد فواتير إقليمية.
يدرك المختلفون سياسيا في لبنان، أن ما يجري في طرابلس لا يمكن فصله عما يحصل في سوريا اليوم، وأن ورقة الاستقرار في العاصمة الثانية لم تعد بأيدي اللاعبين المحليين، بل أصبحت ضمن المنظومة الاقليمية التي تفتش عبر طرابلس وغيرها من المناطق عن مساحة للضغط من أجل تحسين شروط اللعبة سواء عسكريا أو تفاوضيا، وأن أحدا من اللاعبين غير مستعد للتضحية بهذه الورقة في الوقت الراهن، خصوصا في ظل الاختلال الواضح في موازين القوى في المنطقة.
وليست صدفة أن تتزامن الجولة 18 مع اشتداد غبار معارك الغوطتين والقلمون في سوريا، فجولات العنف في طرابلس لطالما تماهت مع عناوين مدن وأحداث سورية عدة، وإن كانت شرارتها ناتجة عن “فتنة محلية” يُنفخ فيها بعناية من قبل خبراء تسخين أرضيات المحاور.
ويبدو واضحا في هذا الاطار أن توافق القيادات السياسية في طرابلس مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان على تسليم قيادة الأجهزة الأمنية في المدينة الى الجيش، وتكليفه رسميا بمعالجة الوضع الأمني في المدينة، قد أوقف فعليا كل أشكال التفاوض مع المجموعات المسلحة من الطرفين لوقف إطلاق النار، والموافقة على دخول الجيش كما كان يحصل في كل مرة، وبالتالي فإن الأمور باتت متروكة إما لمعركة طاحنة تنهك الطرفين، وإما لتدخل عسكري حاسم للجيش قد تدفع المناطق الطرابلسية كلها ثمنا باهظا له.
لكن أخطر ما تواجهه طرابلس اليوم هو اللغة السياسية المزدوجة من قبل بعض القيادات، التي تدعم الجيش اللبناني في العلن، وتحرّض عليه سرا، وتقف على خاطر المجموعات المسلحة عند كل مناسبة، وهذا ما أفشل سابقا كل مبادرات الحل وجعل وقف إطلاق النار مؤقتا بهدنة هشة، وهذا ما من شأنه أن يحول طرابلس الى مدينة خارجة عن القانون وعرضة لشتى أنواع الاختراقات.
والأخطر أن تكون معركة طرابلس تحمل في طياتها أبعادا جديدة من نوع احتجاج بعض دول الاقليم على افتقادها للغطاء السياسي الدولي، وتحديدا الأميركي، لحكومة أمر واقع تنهي حالة المراوحة المستمرة منذ نحو ثمانية أشهر.
وكانت اشتباكات الجولة 18 قد اندلعت صباح السبت الماضي، بعد الاعتداء في محلة المنكوبين على شخص من جبل محسن، وتواصلت المعارك، أمس، تتقطع حينا وتشتد أحيانا، لتحصد على مدى يومين قرابة عشرة قتلى وأكثر من خمسين جريحا.
وعقد الرئيس نجيب ميقاتي اجتماعا حضره وزراء المدينة ونوابها والقادة الأمنيون، بمشاركة وزير الداخلية مروان شربل، وعلم أنه تم التوافق خلاله على وضع كل الاجهزة الأمنية العاملة في المدينة بإمرة الجيش اللبناني، والطلب منه معالجة الوضع.
وبالفعل، تولى الجيش الرد على مصادر النيران بغزارة، كما نفذ مداهمات وأوقف عددا من المسلحين وصادر كميات من الذخائر والاسلحة. لكن الاشتباكات استمرت على المحاور الساخنة، وسجل سقوط قذائف هاون على أحياء باب التبانة وجبل محسن والمنكوبين والزاهرية.
وعلمت “السفير” ان الرئيس نبيه بري كان قد اقترح على الرئيس ميقاتي، قبيل سفره الى طهران “خريطة طريق” لمعالجة الوضع في طرابلس، تتضمن النقاط الآتية:
ــ انتشار الجيش في كل أحياء طرابلس، وصولا الى عمق باب التبانة وجبل محسن، ومنحه كل التغطية السياسية اللازمة لضبط الأمن وإطلاق يده في ملاحقة المسلحين، على قاعدة أن الأمن لا يكون بالتراضي.
ـ تغيير تركيبة الاجهزة الامنية في المدينة، واستبدالها بدم جديد.
ــ تكثيف زعماء طرابلس السياسيين حضورهم في المدينة، وتفعيله بأشكال مختلفة، وإلا فإن السلاح سيملأ الفراغ .

