عواقب عربية

عواقب عربية
التوقيت المصري لبدء محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك، جاء استنادا الى الحاجات الخاصة لـ«الامة المصرية» حسب التعبير الشائع في الخطاب السياسي المصري، منذ ان اطلقه الازهر في وثيقته الشهيرة الصادرة في 20 حزيران الماضي، ونحّى فيها جانبا الهوية والفكرة العربية لمصر التي تسير هذه الايام وفق ايقاعها الفريد، وتستعيد كما يبدو نهضتها المتوقفة منذ عشرينيات القرن الماضي.
صحيح ان الحدث كان تاريخيا، لكن التوقيت لم يكن ملائما ولا كان مدروسا من زاوية اصدائه العربية المحتملة. كانت المحاكمة تعلن أن مصر تنتقل من حالة الثورة الى حالة الدولة، غير آبهة بما يمكن ان يكون لمثول مبارك في قفص الاتهام، ممددا على عربة مستشفى من تأثير في بقية العواصم العربية. كانت الثورة المصرية تستكمل طريقها وتفرض على المجلس العسكري الحاكم إعلاء شأن القضاء والالتزام التام بمفهوم العدالة مهما كان الثمن، باعتباره شرطا رئيسيا من شروط بناء «الامة المصرية».
الاعتبار الداخلي كان حاسما في اختيار توقيت المحاكمة. لذلك كانت الاصداء العربية مروعة، سواء على مستوى الشارع في الغالب وعلى مستوى الانظمة بالاجماع. وبلا اي مخاطرة، يمكن الزعم ان احدا من الزعماء العرب لم يشاهد زميله السابق المسجى يمسك بالميكروفون لكي يبلغ القاضي انه موجود ثم لكي ينكر التهم الموجهة اليه، ويتابع دس اصبعه في انفه… الاعلام الرسمي العربي احترم شعور حكامه. بعض محطات التلفزيون قاطعت الحدث وعرضت برامج وثائقية عن السياحة في بلد لم يزره سائح يوما، او عن الزراعة في بلد ليس فيه فلاحون، او عن الارهاب الاسلامي في بلد ليس فيه مؤمنون، او عن الجيش والشرطة في بلد لم يعد فيه خائفون. وكذا فعلت الصحف الصادرة في اليوم التالي وتعاملت مع الحدث باعتباره يدور في كوكب آخر.
حتى محطتي الجزيرة والعربية، فقد اختارتا من الشارع العربي مواطنين اميين فعلا للتعليق على مثل هذا الحدث التاريخي ولكي يرددوا جملا غير مفهومة، فيها بعض العطف على الرجل الثمانيني، او بعض الحقد على الحكام الاخرين… بينما كانت بقية من كان في ذلك الشارع تتساءل عن تأثير تلك الصور على ثورات ما زالت في بداياتها، وتترقب ان يصبح الطغاة، الذين ابلغتهم اجهزتهم الامنية عن بدء محاكمة مبارك، اشد ضراوة واكثر شراسة في الدفاع عن انفسهم وعن انظمتهم.
ذلك هو الاستنتاج الوحيد الذي توصلت اليه تلك الثورات العربية التي تابعت محاكمة مبارك بشغف شديد وتوجس اشد، برغم معرفتها المسبقة ان ايا من الزعماء الذين يقاومون التغيير، لن يصل الى محكمة، بل انهم جميعا، ومن دون استثناء، يمكن ان يحرقوا بلدانهم او يقسموها ويبيدوا شعوبهم عن بكرة ابيها اذا لاح احتمال تعرضهم للمحاكمة او حتى للمساءلة يوما عما يرتكبون من جرائم.
كان الحدث المصري مؤثرا، لكن عواقبه قد تكون وخيمة فعلا لا سيما في الايام او الاسابيع القليلة المقبلة.
 
السابق
متضامنون بلا …حساب
التالي
الحدود في مجلس النواب… بحريّة