اللواء: العائدون من الموت يكشفون المستور عن الكارثة والمافيات

كتبت “اللواء ” تقول: عمّمت فاجعة أبناء طرابلس وعكار الذين قضوا على متن “عبّارة الموت” في بحر اندونيسيا، أجواء حزن عامة، مثيرة جملة من الأسئلة عن ترك اللبنانيين لقدرهم، سيان عندهم إن ماتوا في بلدهم من رشقات النيران المتنقلة من منطقة إلى اخرى، او من العبوات الناسفة، أو سقطوا بعيداً ضحايا البحث عن لقمة العيش، بعدما ضاقت بهم فرص البحث عن حياة آمنة وكريمة في بلدهم.
على أن تلك الأجواء الحزينة التي أصابت كل لبنان، لم تحجب الاهتمام عن حجم الكوارث الأخرى المحدقة، مع قرب حلول شتاء قاس وعاصف، من دون ولادة حكومة تحت أي مسمى، وفي ظل انغلاق الأزمة السورية الضاغطة على كل مناحي الحياة في البلاد، وعودة أزمة الثقة إلى الواجهة بين إيران والولايات المتحدة، على خلفية اتهامات ساقتها إيران على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي ضد الإدارة الاميركية واتهمها بالمراوغة وعدم المصداقية، وخدمة المصالح، مسجلاً على الرئيس الشيخ حسن روحاني ان المكالمة التي أجراها مع الرئيس الأميركي باراك اوباما لم تكن في محلها.
وفي ظل الآذان الصماء والتصريحات الداخلية خارج سياق الدعوة إلى التفاهم، تتفاقم الأزمات على غير صعيد:
1 – أزمة تمويل المحكمة الدولية مجدداً، في ضوء كتاب وزير المال في حكومة تصريف الاعمال محمّد الصفدي، إلى الرئيس نجيب ميقاتي حول استحقاق تمويل المحكمة، الذي يعتبر في نظر القانونيين ديناً يجب أن يوفى بموجب الاتفاقية الموقّعة بين المحكمة الدولية والحكومة اللبنانية، والامر لا يتعلق بحكومة مستقيلة أو غير مستقيلة، الا أن محطة NBN المحسوبة على رئيس مجلس النواب نبيه برّي نسبت إلى مصادر الرئيس ميقاتي قوله أن لبنان لم يتجاوز المهلة الممنوحة لدفع حصته، والتي تمتد حتى آذار المقبل.
وذكرت المحطة نقلاً عن المصادر نفسها أن رئيس حكومة تصريف الأعمال يعتبر أن الأمر لا يدخل ضمن تصريف الأعمال ويحتاج إلى حكومة جديدة، خلافاً لما يراه خبراء في القانون الدولي.
واستبعد مصدر مطلع أن تكون المصادر المنسوبة إلى الرئيس ميقاتي دقيقة، مع الإشارة إلى أن “اللواء” حاولت ليلاً جلاء حقيقة هذه المعلومات من دون جدوى.
2 – إصدار مراسيم النفط، وهنا يدور لغط وزاري ونيابي وسياسي حول عمّا إذا كان بإمكان حكومة تصريف الأعمال إصدار مثل هذه المراسيم التي يُصرّ التيار العوني ووزير الطاقة جبران باسيل على إصدارها في أقرب وقت حتى لا تمتد المناقصة إلى كانون الثاني. ويشترط الرئيس ميقاتي تفاهم مكونات الحكومة المستقيلة بالدعوة إلى عقد جلسة، فيما ينظر وزير الاقتصاد نقولا نحاس إلى أن في التأخير إفادة لجهة رفع نسبة المداخيل العائدة من التلزيم.
على أن الأخطر في الموضوع ليس تبني “حزب الله” رغبة الوزير باسيل بعقد جلسة، بصرف النظر عن شروط الرئيس برّي لجهة إقرار تلزيم البلوكات العشرة دفعة واحدة، بل البحث عن صيغة شبيهة بتلك التي حصلت في ما يتعلق بالتمديد لقادة الأجهزة الأمنية، ليس من خلال الحكومة أو مجلس النواب، أي المسلك القانوني التشريعي، بل من خلال قرار وزاري.
وأعربت مصادر نيابية عن مخاوفها من أن يذهب فريق 8 آذار، وتحديداً تحالف عون – حزب الله إلى إيجاد صيغة يصفها بالقانونية، وتقضي بأن تخرج مراسيم التلزيم من عند وزير الطاقة، مع الإشارة إلى أن وزير التنمية الإدارية في حكومة تصريف الأعمال محمّد فنيش قال ان المراسيم يجب أن تصدر عن مجلس الوزراء مجتمعاً.
3 – تمويل سلسلة الرتب والرواتب، وفي حال فرغ مجلس النواب من مناقشة مشروع الحكومة الخاص بها، فهل يمكن الدعوة إلى عقد جلسة نيابية لاقرارها، في ظل الخلاف على التشريع في ظل حكومة مستقيلة؟
شكوك واتهامات
وفي ظل هذه الأسئلة والتخبطات والأزمات، يمضي الوضع السياسي على حاله متآكلاً ومنتقلاً من جمود إلى جمود ومن تباعد إلى تباعد، ومن خطابات باتت ممزوجة، سواء لجهة الحوار، أو من يتحمل مسؤولية تعطيل تأليف الحكومة، فضلاً عن تزايد الشكوك بين فريقي 8 و14 آذار، والاتهامات المتبادلة، وآخرها ما نقلته صحيفة “الوطن” السعودية عن النائب خالد ضاهر قوله ان “حزب الله” بات يمتلك منصات اطلاق صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس كيميائية ركزها في جنوب الهرمل وجرود صنين المحاذية لبعلبك ومناطق اخرى محاذية لعكار، مشيراً الى ان من بينها مواقع “تحت الارض” تم تصميمها على يد الحرس الثوري الإيراني.
وربط الضاهر بين هذه المعلومات وتهديدات الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله مؤخراً بأن إسرائيل ستواجه ما لم تره من قبل، في إشارة إلى إمكانية بلوغ تلك الصواريخ مدناً إسرائيلية، بما فيها العاصمة تل أبيب.
وإذا كان “حزب الله” نفى في وقت سابق، وعلى لسان أمينه العام انه يمتلك أسلحة كيميائية، او انه حتى لا يفكر في امتلاك مثل هذا النوع من السلاح، فان أحد السياسيين المقرب جداً من الحزب، نفى لـ?”اللواء” وجود اي مؤشر فعلي لدى الحزب للانسحاب من سوريا، أو ان يكون قد قلص عدد مقاتليه هناك، على حد ما ذكرت قبل يومين صحيفة “ذي تايمز” البريطانية، معتبراً أن الأسباب الموجبة التي دفعته للدخول والمشاركة في القتال إلى جانب النظام السوري ما زالت قائمة، وبالتالي، فان المؤشرات التي ساقتها الصحيفة المذكورة لا صحة لها على الإطلاق، ولا تملك أية نسبة من الواقعية، لافتاً إلى أن ما يدور من أحاديث هو في إطار التمنيات والتشويش، ومحاولة للقول بأن ما يجري من ايجابيات على المستوى العام إنما ينعكس سلباً على اطراف محور المقاومة، ومن بينها الحزب.

تمويل المحكمة
وبالنسبة إلى تمويل المحكمة الدولية، فقد أفادت مصادر متابعة لشؤون سير المحكمة أن لبنان عاجز عن الوفاء بالتزاماته المالية، نظراً إلى العوائق القانونية والدستورية التي تواجه الحكومة المستقيلة، مشيرة إلى وجود عرقلة فعلية في إيجاد مخرج لسداد هذا الاستحقاق، على غرار ما حصل في العامين 2011 حيث تكفلت جمعية المصارف بالدفع، وفي العام 2012 حيث تمّ سداد النفقات من مخصصات الهيئة العليا للاغاثة، لكنها اعتبرت ان الأساليب الملتوية لسداد مساهمة لبنان لا تنفع، ومشددة على ان حكومة تصريف الاعمال لا تعني انتفاء السلطة الاجرائية، مشيرة إلى ان المحكمة تسعى إلى تنشيط دوائرها الادارية استعداداً لبدء المحاكمات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في 13 كانون الثاني المقبل.
وأكّد المصدر أن لبنان، طبقاً للنظام الأساسي للمحكمة والاتفاق الذي وقعه مع الأمم المتحدة، ملزم بدفع مستحقاته للمحكمة تحت الفصل السابع، كاشفاً انه خلال الزيارة البروتوكولية التي قام بها رئيس قلم المحكمة دارين ماندس الشهر الماضي لبيروت بعد تعيينه في هذا المركز، فاتح المسؤولين الذين التقاهم في موضوع تمويل المحكمة، ويستخلص ان الجواب الذي سُمع في هذا الإطار هو ان ثمة نية ان يفي لبنان بالتزاماته بعد تشكيل الحكومة، فعدم وجودها يعوق هذه العملية باعتبار ان الأمر يخرج عن نطاق صلاحية الحكومة المستقيلة لتعذر وجود آلية لديها للدفع.

مراسيم النفط
اما في شأن مراسيم النفط، فقد أكدت مصادر وزارية لـ?”اللواء” أن أي قرار بشأن انعقاد جلسة لمجلس الوزراء مخصصة لإقرار هذه المراسيم لم يتخذ حتى الساعة، مشيرة إلى إمكانية درس أفكار معينة ومعرفة مدى دستوريتها للسير بهذه المراسيم من دون العودة إلى مجلس الوزراء، ومن بينها مثلاً “المراسيم الجوالة” على غرار ما فعله الرئيس السابق امين الجميل، رغم أن الظروف الامنية هي التي حتمت ذلك.
وقالت المصادر أن ما من شيء محسوم بهذا الخصوص، مع العلم أن مراجع كبرى (والمقصود هنا هو رئيس الجمهورية) عمدت في الايام القليلة الماضية إلى التشاور مع دستوريين وقانونيين للاحاطة برأيهم، ومعرفة ما يمكن القيام به في هذا الصدد.
ولفتت إلى أن هذه المراجع تفضل التقيّد بالدستور وعدم الاقدام على أي خطوة خارج هذا السياق، مؤكدة أيضاً انها تدرك أهمية الإسراع في التنقيب كيلا تضيع على لبنان فرصة الاستفادة من ثرواته النفطية.
وفهم من المصادر نفسها، أن هذا الملف سيكون محور تشاور بين الرئيس ميشال سليمان والرئيس ميقاتي في وقت قريب جداً، وخصوصاً بعد عودته إلى بيروت.
وكان وزير “حزب الله” في حكومة تصريف الأعمال محمّد فنيش قد تساءل في خلال رعايته احتفال تكريم الطلاب الناجحين في مدينة صور، عن اسباب تخلي الحكومة عن دورها في ما يحفظ ثروة النفط، بحجة أن هناك مانعاً دستورياً؟ وقال أن هذا الأمر غير مفهوم، لأن مسألة المراسيم التطبيقية هي استكمال لقرارات صدرت عن الحكومة ولقانون اصبح نافذاً، ولم يبق الا بعض المراسيم من اجل الا تعطل عملية استدراج العروض التي شاركت فيها شركات عالمية.

عودة الناجين
إلى ذلك، شكلت عودة اللبنانيين الـ18 الذين نجوا من غرق “عبّارة الموت” في بحر اندونيسيا فرصة امام اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين، لمراجعة حساباتهم وللافادة، إذا كان ثمة من مجال، من دروس هذه المأساة، وهي كثيرة ومتشعبة، منها ما يعود إلى إخفاق الدولة نفسها، من ايجاد فرص عمل للعاطلين، ومنها ما يعود إلى الوضع العام في البلاد الذي يتسبب فيه السياسيون أنفسهم فيما وصل إليه الحال من تدهور امني واقتصادي واجتماعي يدفع الكثيرين إلى البحث عن “لقمة العيش” في الخارج، وإن كان بأساليب غير مشروعة.
واذا كانت عملية مراجعة الحسابات، ربما تحتاج إلى وقت، حتى تهدأ النفوس نسبياً، فإن الروايات التي ساقها الناجون أنفسهم كشفت الكثير من الفضائح عن محاولات استغلال رغبة الناس بالهجرة، ولو بطرق غير شرعية، من قبل مافيات تعمل في لبنان والخارج، لقاء أموال أخضر هؤلاء إلى بيع “ما فوقهم وما تحتهم” لتوفيرها من أجل الهجرة.
ولعل ما قاله أحد هؤلاء الناجين، من انه مستعد لتكرار تجربته مع الموت ثانية، أبلغ اشارة، ولو كانت قاسية، إلى ما يمر به هؤلاء من ظروف معيشية مؤلمة، وتحتاج إلى التوقف عندها طويلاً، لولا كان لدى المسؤولون عندنا ذرة ضمير.
وأبسط ما رواه هؤلاء، وأحدهم دفع 70 ألف دولار للهجرة هو وأفراد عائلته التسعة، والتي فقدها جميعها هو ان هؤلاء كانوا ضحية اغراءات من قبل “مافيات” منظمة، دفعتهم إلى السفر إلى اندونيسيا، بطريقة شرعية، وهناك وضعتهم في جزيرة مجهولة نحو شهرين، بحجة تأمين باخرة حديثة مزودة بسترات انقاذ ووسائل كافية للنجاة، لكنها ألقتهم في النهاية على متن “عبارة” قديمة من دون قبطان يعرف مسالك العبور من بحر اندونيسيا إلى شواطئ أوستراليا، ثم تركتهم للغرق تحت الأمواج، عندما خرجت من النهر إلى البحر، من دون أن يتحرك أحد لا في أندونيسيا ولا في أوستراليا لإنقاذهم، علماً ان العبارة لم تستطع أن تتابع طريقها إلى جزيرة “كريسماس”، فعادت أدراجها إلى الشاطئ الاندونيسي وغرقت قبل أن تصل إليه بنحو 200 متر.
تجدر الاشارة إلى انه كان على متن “عبارة الموت” 53 لبنانياً، فنجا منهم 18 شخصاً، فيما قضى 22، ولا يزال مصير الباقين مجهولاً، علماً ان 9 من هؤلاء رفضوا الصعود إلى العبارة، فسجنتهم السلطات الاندونيسية، بعدما مزقوا وثائق السفر الخاصة بهم، بطلب من “المافيا”، وتدخلت البعثة اللبنانية الرسمية الموجودة حالياً في جاكرتا، وأمنت لهم وثائق السفر، ودفعت عنهم الغرامات المالية، وسيعودون غداً مع البعثة إلى بيروت.
أما جثامين الضحايا فهي تنتظر انتهاء فحوصات الحمض النووي لمطابقتها مع الجثث الموجودة في المستشفيات وهي عملية تحتاج إلى اسبوعين على الأقل حتى يصار إلى إعادتها إلى أرض الوطن.

السابق
المستقبل: الناجون من عبّارة الموت يعودون إلى شاطئ الحرمان والتقصير الحكومي
التالي
الشرق: 8 اذارالتأليف لا يسير بوضع الشروط والحواجز والمطلوب مقاربة اخرى