يظنّ بعض السياسيين ممّن يشدّدون على وسطية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، على رغم تصريحاته المتكرّرة في الآونة الأخيرة، أنّه في صورة ما تحضّره إسرائيل للبنان، وما تحضّره واشنطن وحلفاؤها في المنطقة لسوريا، وربّما لإيران. لذلك فهو يعتقد أنّه من خلال مسافة يضعها بينه وبين «حزب الله»، إنّما يساهم في حماية الدولة، وبالتالي في حماية المقاومة نفسها.
ويُذكّر هؤلاء السياسيّون بأنّ “الرئيس فؤاد السنيورة على رغم كلّ ما أُخِذ عليه من ملاحظات خلال حرب تموز 2006 قد جنّب بيروت ومناطق لبنانية كثيرة شرور العدوان الإسرائيلي، من خلال المسافة التي أقامها يومها بين الحكومة والمقاومة، وكان ذلك الأسلوب الأفضل لتخفيف الخسائر، بل لتمهيد الطريق أمام انتصار المقاومة سياسيّاً”. ويضيفون “إنّ حماية البلد والمقاومة في وسط الأعاصير التي تعصف بالمنطقة، لا تتمّ بالخطب الحماسية، بل بسياسة عقلانية تترك ما للمقاومة للمقاومة وما للدولة للدولة”. ويسألون استطراداً: “ماذا يمكن رئيس الجمهورية أن يقول لحكومات عربية وأجنبية تسأله يوميّاً عن موقفه من تدخّل المقاومة في سوريا، وهو الذي كان يقول إنّ مهمّة المقاومة تقتصر على تحرير الارض اللبنانية وردع أيّ عدوان إسرائيلي على لبنان؟”.
وفي مقابل هذا المنطق يتبنّى سياسيّون آخرون منطقاً مغايراً، إذ يعتبرون “أنّ تصريحات سليمان قد تعجّل بالعدوان على لبنان، لأنّها تعطي إشارات خاطئة لأعداء المقاومة ولبنان بأنّ الموقف الرسمي اللبناني المتمثل بالرئاستين الأولى والثالثة ينأى بنفسه عن المقاومة ويتركها وحيدة أمام مطامع العدوّ”. ويضيفون: “إنّ مواقف سليمان التي أعلنها في عيد الجيش وكرّرها أمس من شأنها المساهمة في تصديع التماسك الداخلي اللبناني أكثر ممّا هو متصدّع، وبالتالي فهي تضع البلاد على أبواب أزمة أهلية شبيهة بأزمات عرفتها معظم العهود في السنة الأخيرة من ولاياتها”.
ويستطرد السياسيون أنفسهم قائلين: “إنّ سليمان ينتهج هذه السياسة لأسباب لا علاقة لها بتمديد ولايته لأنّه يعرف تماماً صعوبة إعادة انتخابه في ظلّ أزمة مع فريق كبير في البلد له وزنه ودوره وعمقه في المنطقة”. ويعتقدون “أن لا علاقة أيضاً لمواقف سليمان بمحاولة حماية الدولة والبلد من خلال هذه المسافة التي يقيمها بينه وبين المقاومة، بل إنّ الرئيس يسعى إلى أن يكون لاعباً سياسياً رئيسياً في جبل لبنان خصوصاً، وفي الملعب المسيحي عموماً، وأنّه يؤسّس لهذه الزعامة بمواقفه هذه الأيام بعد شعوره بأنّ القاعدة المسيحية المعترضة على زعامة رئيس تكتّل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون والبعيدة جغرافياً ونفسياً عن رئيس تيار “المرَدة” النائب سليمان فرنجية تحتاج إلى قائد من خارج الطبقة السياسية المسيحية المحسوبة على فريق 14 آذار، وبالتالي يعتقد سليمان أنّه مؤهّل لقيادة هذه القاعدة المسيحية التي تجد لها تعاطفاً خارج البيئة المسيحية أيضا”.
ولكنّ سليمان، حسب السياسيين إيّاهم، “يخطئ في قراءة العوامل الفعلية التي تصنع الزعامات في لبنان، وأبرزها تفاعل الداخل مع الخارج وتأثير الخارج في الداخل، فقد وافق، حسب هؤلاء السياسيين، على تحليل رغبويّ لدى بعض مستشاريه بقرب سقوط النظام السوري، وبالتالي بتغيّر المعادلات الداخلية تغيّراً جذريّاً، وقد دفعه هذا التحليل، أو تقدير الموقف، إلى الابتعاد عن الموقع التوافقي، أو الوسطي، مدفوعاً إلى ذلك بأخطاء وممارسات ارتكبها بعض مناهضيه، خصوصاً داخل فريق 8 آذار الذين لم يوفّروا مناسبة إلّا وطعنوا به، وكان آخر هذه المناسبات يوم تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق ومقتل الضبّاط القادة الأربعة. يومها بادر الرئيس سليمان الى الاتصال بالرئيس السوري بشّار الأسد معزّياً، وهو أمر لم يفعله أيّ مسؤول عربي آخر غيره يومها، معتقداً أنّه بهذه المبادرة يعيد بعض الدفء إلى علاقته بالأسد، فإذ به يفاجَأ ببعض المحسوبين على دمشق يشيعون بأنّ اتصاله هذا جاء بطلب استخباراتي غربي لدرس بصمات صوت الأسد ومدى تأثّره بهذه الصدمة، بل مدى وجوده نفسه في دمشق. وقد شعر سليمان يومها بأن لا مكان له لدى الفريق الحليف لسوريا، فراح ينزاح تدريجاً إلى مواقف الفريق الآخر من دون أن يدرك أنّ الانفعال موجّهٌ سيّئ في السياسة، خصوصاً حين لا تنطبق حسابات الحقل مع حسابات البيدر”.

