يوم عربي!!

 يوم مشمس من أيام فصل الشتاء، حيث يسمح للعرب بالخروج من بيوتهم أو خيامهم والجلوس في الشمس للدفء واغتنام الفرصة للاجتماع بالآخرين وقتل الوقت بالحديث عن حمار هذا أو جمل ذاك ورواية الأخبار عن أيام العرب وبطولة أبو ليلى المهلهل وتغريبة بني هلال وحوادث الجن. كل ذلك يجري والأيدي والأنامل والأظافر والأعين في شغل شاغل في مهمة أخرى. إنها كلها محشودة وفي حالة استنفار في هذه المناسبة السعيدة بالتحري والتفتيش وملاحقة القمل والراغيت ومطاردتها، وهي التي عاثت في الأيام الممطرة والغائمة فساداً في الأجسام، وجعلت من شعر الرأس واللحى وأماكن الشعر الأخرى وطيات الثياب وثنيات الدكك مكامن ومخابئ ودشم لها. وهذا اليوم المشمس الذي هو نعمة عند العرب هو نقمة عندها حيث يضيق عليها الخناق، إذ تمشط أماكنها تمشيطاً وتلاحق بلا هوادة، وتكون نهايتها سحقاً بين ظفري الأبهامين، هذا إذا كان المطارد من نوع القمل. أما البرغوث فملاحقته أكثر عناء لرشاقته وقفزاته السريعة في كل اتجاه. فإذا قبض عليه بعد الجهد وخوفاً من أن يفلت ويهرب عند وضعه بين الابهامين لتنفيذ حكم الإعدام عليه لا بد من فركه بين الابهام والسبابة حتى يصل إلى درجة الإغماء وهناك ينقل بكل حذر ما بين ظفري الابهامين. ويحكى أن أحد اللصوص أراد أن يقتحم منزلاً في الليل لنهبه فأراد أولاً أن يتفحص الوضع قبل اقتحامه. فسمع صوتاً في الداخل فأنصت، وإذا بالزوج وكان عائداً من جلسة في شمس يوم عربي يحدث زوجته عن المقتلة التي قام بها قائلاً في نهاية حديثه: "فكان مجموع ما قتلته ستين قتيلاً ما بين فارس وراجل (يقصد بالفرسان البراغيت وبالرجالة القمل) كل ذلك في أقل من نصف ساعة فارتعد اللص لهذا الخبر وصار همه سلامة رأسه وأقصى مناه أن يفر بأقصى سرعة حتى لا يفطن إليه أبو الستين فيلحقه بهم ويصبح هو الواحد والستين.
وما يدريه فربما أن عنترة بن شداد كان في رحلة من دار الآخرة إلى دار الدنيا وكان هذا المنزل أحد محطات رحلته.
وفي كثر من المرات، من كثرة القمل والبراغيت حيث لا يعود بالإمكان قتلها إفرادياً يلجأ البعض إلى القتل الجماعي فيذهبون في آخر النهار إلى التنانير الموجودة في القرية بعد أن يكون أصحابها قد انتهوا من الخبز عليها وبقيت ملأى ويأخذون برفعها قطعة قطعة فوق فوهة التنور وينفضونها بشدة فبفعل الحرارة الشديدة يسقط ما علق عليها من قمل وبراغيت في التنور الحامي وتبدأ الفرقعة والانفجارات وكأنها قنابل عنقودية في منتهى الصغر.
ووجود القمل على الجسم أو الثياب إذا كان بكمية معقولة ليس شيئاً مكروهاً عند أهل الحصافة والرأي من العرب، إذ أن دليل الحياة والوجود فالحكمة تقول – أنا مقمّل إذن أنا موجود – وقد استغربت إحدى النساء في إحدى القرى إرجاع ولدها من المدرسة إلى البيت لوجود بعض القمل عليه فعادت به إلى المدرسة غاضبة وقالت للمعلم: الميت وحده ما عليه قمل! الله لا يخلينا منه! الله يساعدني ما عندي ولد غيره!

السابق
يا حنّوش ويا منّوش واللي بفكرك ما منّوش
التالي
قبلان: للابتعاد عن الحساسيات والتأثيرات الخارجية