من قزوين إلى الضاحية: الضربة الأوكرانية تضع حزب الله أمام معادلة الانتحار

روسيا

في بحر قزوين المغلق، حيث ظنت موسكو وطهران أنه “الممر الآمن الأخير” لنقل المسيرات والصواريخ، وصلت المسيرات الأوكرانية الانتحارية.

قصفت سفن الشحن، وأحرقت منصة نفط، وأغرقت زورقاً صاروخياً.

الرسالة وصلت: لا توجد منطقة آمنة بعد اليوم.

وعندما تختنق طهران في قزوين، يبدأ السؤال في بيروت: هل يحرقون “الضاحية” لإنقاذ العمق الإيراني؟

1. ضربة قزوين: نهاية “الممر الآمن”

نعم، أعلنت أوكرانيا وإيران رسمياً وقوع ضربات عسكرية استهدفت خطوط الإمداد العسكري في بحر قزوين.

إذ صرّح الرئيس الأوكراني ⁠فولوديمير زيلينسكي بأن قواته نفذت ضربات بعيدة المدى حققت نتائج قوية ضد سفينة حربية روسية وسفن شحن تنقل إمدادات عسكرية مرتبطة بإيران.

من جهتها، أدانت ⁠وزارة الخارجية الإيرانية الهجوم، مؤكدة تعرض سفينة تجارية تابعة لها لضربة أسفرت عن انفجار ومقتل بحار وإصابة آخر.

تفاصيل ومخرجات الهجوم الأوكراني وفقاً للبيانات الميدانية الصادرة عن ⁠جهاز الأمن الأوكراني (SSU) والتقارير الدولية، فإن العملية الأوكرانية نُفذت باستخدام طائرات مسيّرة انتحارية بعيدة المدى وشملت استهداف عدة أهداف استراتيجية:

– *سفن الشحن المستهدفة*: قُصفت سفينتا الشحن `بورت أوليا 2` و`بيجي`، وهما سفينتان مدرجتان تحت العقوبات الدولية لتوظيفهما في نقل المسيرات والصواريخ والذخائر بين إيران وروسيا عبر ⁠بحر قزوين.

– *القطع البحرية*: ضرب طائرة مسيرة لزورق الصواريخ الروسي من طراز “مولنيا” `مشروع 12418`.

– *البنية التحتية للطاقة*: استهداف منصة “فيلانوفسكي” النفطية البحرية التابعة لشركة “لوك أويل” الروسية في شمال بحر قزوين.

2. الأبعاد والدلالات: خنق الشريان وتوسيع الحرب

تحليل هذه الضربة الاستثنائية يحمل 4 دلالات استراتيجية:

1. خنق ممر الإمداد الآمن لروسيا وإيران

يُعد بحر قزوين الممر اللوجستي الأكثر أماناً وحيوية لنقل السلاح الإيراني `مثل مسيرات شاهد والذخائر المدفعية` إلى داخل العمق الروسي بعيداً عن الرقابة الغربية المباشرة. وصول المسيرات الأوكرانية إلى هذا الممر المغلق يعني تقويض هذه “المنطقة الآمنة” وإجبار موسكو وطهران على إعادة حسابات النقل اللوجستي.

2. توسيع جغرافية الحرب والردع Asymmetric Warfare

الضربة تؤكد قدرة أوكرانيا على تنفيذ عمليات نوعية بالغة العمق. هذا التحول يهدف إلى تشتيت الدفاعات الجوية الروسية لحماية الأصول البحرية والنفطية البعيدة عن جبهات القتال التقليدية.

3. الارتباط بالصراع البحري الإقليمي

العملية الأوكرانية تتزامن مع تصعيد واسع النطاق وضغوط بحرية هائلة تواجهها إيران؛ حيث يشهد الخليج العربي و⁠مضيق هرمز توترات عسكرية مستمرة ومواجهات مباشرة بين القوات الأمريكية والبريطانية من جهة والقوات الإيرانية من جهة أخرى، بما في ذلك فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.

4. رسالة استخباراتية حليفة

بالرغم من الاعتماد الأوكراني الواسع على التكنولوجيا المحلية في صناعة المسيرات بعيدة المدى، فإن عمليات الرصد الدقيق لهذه السفن في بحر قزوين تعكس دعماً معلوماتياً واستخباراتياً غربياً عالي المستوى.

كما تتزامن الضربة مع اتهامات أوكرانية لروسيا بمشاركة بيانات الأقمار الصناعية مع طهران لتوجيه ضربات في الشرق الأوسط.

3. معادلة الضاحية: الانتحار أم خفض الرأس؟

ومع ارتفاع احتمالات المواجهة العسكرية الشاملة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بات السؤال ملحّاً في لبنان:

هل سينخرط “حزب الله” في أتون هذه الحرب مجدداً، أم سيختار الانكفاء وخفض الرأس مراعاةً للتوازنات الواقعية، وحفاظاً على ما تبقّى من بنيته ومن الجنوب وأهله؟

وهل مصلحة إيران تكمن في الدفع به نحو انتحار عسكري، أم في استبقائه خط دفاع أخيراً ورصيداً حيوياً للمستقبل؟

يواجه “حزب الله” اليوم معادلة وجودية شديدة التعقيد، يفرضها وضع الإنهاك الذي يعيشه ميدانياً وسياسياً. فأي مغامرة عسكرية يلجأ إليها اليوم، تحت شعار مساندة إيران، ستُواجه بردّ إسرائيلي ـ وأميركي غير مسبوق.

وهذا الخيار سيؤدي إلى التفكيك الشامل لما تبقّى من قدرات “الحزب” العسكرية والتنظيمية، وإلى صدام كامل مع الشارع اللبناني، وامتعاض مؤكّد لدى المكوّن الجنوبي الذي أظهر في الأيام الأخيرة توقاً عارماً لتثبيت التهدئة والعودة إلى القرى المدمّرة.

ويدرك “الحزب” أنّ التحولات الداخلية، بعد قمة الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب، وانتشار الجيش اللبناني، وبدء الآليات التطبيقية للصيغة الإطارية، خلقت واقعاً جديداً يحدّ من قدرته على الحركة الميدانية.

وتالياً، إنّ “خفض الرأس” والتكيّف مع التوازنات المستجدة يمنحه فرصة التقاط الأنفاس، والحفاظ على ما بقي له من حضور، وتجنّب سيناريو الاجتثاث الكامل.

4. مطبخ طهران: إحراق الورقة أم الاحتفاظ بها؟

ولكن، في طهران، وفي مرحلة ما بعد علي خامنئي، تتنازع المطبخ السياسي والعسكري مقاربتان لمسألة “حزب الله”.

*المقاربة الأولى*: ضرورة تحريك الجبهات والساحات كافة، بما فيها جبهة لبنان، في محاولة لتشتيت القدرات الأميركية والإسرائيلية وتقليص الضغط المباشر عن العمق الإيراني. وهذا الخيار يعني إحراق ورقة “حزب الله” بكاملها وإخراجه من الخدمة في جولة واحدة.

*المقاربة الثانية*: أنّ “الحزب” يمثل رأس الحربة في مشروع إيران الإقليمي، وأنّ التضحية به في معركة غير متكافئة ومحسومة النتائج مسبقاً ستعني خسارة جيوـ سياسية لا تُعوّض. ووفق هذه المقاربة، تكمن مصلحة طهران في الحفاظ على النواة الصلبة لـ”الحزب”، وعلى قدراته وموقعه السياسي في لبنان، ليكون أداة لإعادة بناء النفوذ في مرحلة ما بعد التسويات.

حبس الأنفاس

وفي أي حال، إنّ قدرة طهران و«الحزب» على فتح جبهة الجنوب، وفق ما كانا يفعلان سابقاً، تراجعت بفعل الضغط العسكري الإسرائيلي المتواصل، وبسبب الغطاء الدولي والعربي المتنامي للمؤسسات الشرعية والجيش اللبناني، ما يجعل أي محاولة لخرق التهدئة مواجهةً مباشرة مع الإرادة الدولية، وليس فقط مع إسرائيل.

كما أنّ هناك ضغطاً شعبياً واجتماعياً، من داخل البيئة الجنوبية التي ترفض الحروب الجديدة، وتتوق إلى الإعمار والعودة. وهذا الأمر يدركه “الحزب” جيداً ويتعامل معه بحذر شديد تجنّباً لابتعاد هذه البيئة عنه.

ولذلك، تلتزم طهران وقيادة “الحزب” جانب التريث وحبس الأنفاس، والاختباء خلف الدولة والجيش، كخيار اضطراري، لعلّ ذلك يتكفّل بإمرار الوقت، ويجنّب “الحزب” خيار التفكيك الكامل، ويسمح لطهران بحماية ما أمكن من أوراق لها على خريطة الشرق الأوسط.

السابق
دون ذكر الأسباب.. تأجيل إقلاع طائرة نتنياهو إلى واشنطن
التالي
ترقب وضغوط ودبلوماسية.. لماذا جُمّدت الضربة الأميركية لإيران؟