تتسارع التطورات الدبلوماسية والعسكرية المحيطة بالصراع الأميركي الإيراني وسط أجواء من حبس الأنفاس في الشرق الأوسط، فرغم دخول الجبهة ليلتها الثانية على التوالي من الهدوء الميداني وغياب الغارات الجوية، إلا أن لغة التهديدات بلغت ذروتها السياسية، وجاءت التحذيرات الصادرة من قيادة الجيش الإيراني ووزارة الخارجية لتستبق قمة مرتقبة في البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما يضع التهدئة المؤقتة الراهنة في مهب خيارات بديلة تتأرجح بين صياغة اتفاق جديد أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير مسبوقة.
الجيش الإيراني يستبق قمة واشنطن بالتحذير من اتساع الحرب
دخلت القيادة العسكرية الإيرانية على خط المواجهة السياسية عبر إطلاق تحذيرات مباشرة للجانب الأميركي، مستهدفة الحراك الدبلوماسي المرتقب بين واشنطن وتل أبيب، حيث أعلنت إسرائيل أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم الثلاثاء المقبل.
واستبق الناطق باسم الجيش الإيراني، محمد أكرم نيا، هذه الزيارة بإعلان حازم عبر التلفزيون الرسمي حذر فيه من خطورة الانصياع للمخططات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه «إذا وقع الأميركيون مرة أخرى في خديعة إسرائيل أو انحازوا إليها، وأصروا على مواصلة الحرب، خصوصاً عبر الضربات الجوية، فإنها ستتوسع أكثر»، وهو موقف يعكس رغبة طهران في رسم خطوط حمراء مبكرة لمنع أي تنسيق أميركي إسرائيلي يفضي إلى استئناف العمليات العسكرية ضد أراضيها.
الخارجية الإيرانية تقر باستهداف القواعد الأميركية وتطمئن الجوار
في مواكبة سياسية للموقف العسكري، قدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قراءة تفصيلية لخلفيات المواجهة المسلحة التي اندلعت منذ انهيار الاتفاق المؤقت في السابع من يوليو الجاري، عقب استهداف طهران لسفن في مضيق هرمز ورد واشنطن بغارات جوية وحصار بحري.
وأقر عراقجي علناً ولأول مرة بطبيعة الأهداف الإيرانية خلال الجولات الماضية، كاشفاً أنه «خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، استهدفنا القواعد الأميركية في المنطقة وحتى خارجها، وكذلك المنشآت العسكرية الأميركية»، ومؤكداً أن هذا السلوك يندرج بالكامل تحت بند الدفاع المشروع عن النفس ضد العدوان الأميركي.
وفي محاولة لتهدئة المخاوف الإقليمية وعزل واشنطن، شدد عراقجي على أن بلاده لا تعتبر دول الجوار في الشرق الأوسط أعداء لها، وأن الهجمات الصاروخية التي طالت بعض الساحات جاءت لأسباب تدركها الأطراف كافة ولا تنبع من عداء للداخل العربي، مؤكداً تطلع طهران لإعادة بناء الثقة والتعايش في أجواء من الاستقرار والتنمية الاقتصادية فور انتهاء الصراع الراهن.
ترامب يمنح الدبلوماسية مهلة مشروطة بـ «الامتثال التام»
على المقلب الأميركي، كشفت كواليس البيت الأبيض عن الأسباب الكامنة وراء الهدوء الجوي المؤقت، حيث نقل موقع «أكسيوس» عن مصدرين مطلعين أن الرئيس دونالد ترامب وجه الجيش فعلياً بوقف الضربات اليومية المتواصلة منذ أسبوعين لمنح الاتصالات فرصة إضافية.
وأوضح ترامب في تصريحات أدلى بها للصحافيين في المكتب البيضاوي أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بعد بشأن شن عملية عسكرية واسعة النطاق، رغم مناقشتها في اجتماعات مغلقة مع كبار مستشاريه، مرجعاً هذا التريث إلى أن طهران بدأت تظهر «جدية أكبر» يوماً بعد يوم في المباحثات الجارية مع الإدارة الأميركية.
ومع ذلك، وضع الرئيس الأميركي القيادة الإيرانية أمام خيارين حاسمين، فإما التوصل إلى اتفاق شامل وسريع، أو مواجهة مستوى «أعنف بكثير» من الضربات الجوية، معلناً جاهزية القوات الأميركية للتحرك الفوري، ومجدداً التأكيد على أن خطه الأحمر الثابت هو اقتراب إيران من تطوير سلاح نووي، بالرغم من أن نقطة التحول الميدانية التي ستدفعه لتنفيذ الهجوم الواسع لم تتحدد بدقة بعد للرأي العام.
مشاورات هرمز التقنية تتواصل بين طهران ومسقط
في الشق الدبلوماسي الإجرائي، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن إحراز «تقدم مفيد» في جولات المحادثات المكثفة التي استضافتها طهران على مستوى نواب وزراء الخارجية مع وفد سلطنة عُمان.
وتركزت النقاشات على صياغة المبادئ المشتركة والآليات التنفيذية لإدارة حركة الملاحة البحرية الآمنة في مضيق هرمز، مع محاولة التوفيق بين حقوق السيادة للدولتين الساحليتين ومتطلبات التجارة الدولية، وبالرغم من مغادرة الوفد العُماني للعاصمة الإيرانية، إلا أن بقائي أكد استمرار المشاورات الفنية والسياسية بين الطرفين، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الوضع الحالي لحركة العبور في الممر المائي الاستراتيجي لم يطرأ عليه أي تغيير عملي حتى الآن جراء استمرار فرض الحصار الأميركي المضاد.
وتكشف خارطة المواقف السياسية أن الهدوء العسكري لليلتين متتاليتين في الأجواء الإيرانية ليس بداية لسلام دائم، بقدر ما هو ساحة اختبار أخيرة لمدى مرونة طهران تحت وطأة الحصار البحري وتهديدات ترامب باللجوء إلى خيارات «أعنف بكثير». إن تحذير الجيش الإيراني من اتساع رقعة الحرب يضع قمة ترامب ونتنياهو المقبلة أمام معادلة دقيقة، فإما أن تنجح الوساطة العُمانية في صياغة ممر آمن يضمن شروط واشنطن النووية والبحرية، أو تجد المنطقة نفسها أمام شرارة هجوم واسع قد تطال وسائله المنشآت الحيوية في عمق الخليج والبحر الأحمر.

