تواجه الاستراتيجية النفطية والتجارية للنظام الإيراني واحدة من أعقد أزماتها البنيوية والمالية منذ سنوات، تحت وطأة الحصار البحري والعقوبات الدولية المشددة.
وتكشف أحدث البيانات والتقديرات الصادرة عن شركة “كبلر” (Kpler) المتخصصة في تتبع وتحليل أسواق الطاقة العالمية، عن تراجع حاد وغير مسبوق في حجم الصادرات النفطية الإيرانية المتجهة إلى الأسواق الصينية، بالتزامن مع قفزة هائلة في تكاليف الشحن، والاضطرار إلى تقديم تنازلات سعرية وخصومات مغرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حصتها السوقية، مما أدى إلى تبدد نحو ربع العائدات النفطية لطهران في قنوات الالتفاف غير الرسمية.
الانهيار الحاد في المبيعات للموانئ الصينية
وفقاً لبيانات شركة “كبلر” الإحصائية، شهدت عمليات تفريغ النفط الإيراني في الموانئ الصينية هبوطاً دراماتيكياً ليصل إلى نحو ربع المستويات المعتادة مقارنة ببدايات العام الجاري:
- تراجع الصادرات اليومية: انخفضت مشتريات المصافي الصينية خلال شهر تموز (يوليو) الجاري إلى معدل 454 ألف برميل يومياً فقط.
- المقارنة بـ “شهر الحرب” الأول: يمثل هذا الرقم تراجعاً حاداً مقارنة بشهر آذار (مارس) الماضي (الذي تصفه المؤشرات بالشهر الأول لاندلاع العمليات العسكرية الواسعة)، حيث كانت المصافي الصينية تستورد حينها نحو مليون و167 ألف برميل يومياً.
- طبيعة المشترين الجدد: أكد كبار خبراء شركة “كبلر” أن طهران باتت تعتمد بشكل شبه كلي على بيع نفطها من خلال شبكات وسطاء وسماسرة معقدة تستهدف المصافي الصينية الصغيرة والمستقلة (المعروفة بمصافي الإبريق “Teapots”)، نظراً لعزوف الشركات الكبرى المملوكة للحكومة الصينية تجنباً للعقوبات.
معضلة المخزون العائم وحرب الخصومات السعرية
أمام صعوبة تسييل الشحنات، تضخمت كميات النفط الإيراني المخزن في عرض البحر، مسببة أعباء لوجستية ومالية هائلة:
- المخزون العائم بالمليارات: تشير التقديرات الحالية لـ “كبلر” إلى أن إيران تمتلك ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الخام المخزن في ناقلات بالبحر.
- التموضع الجغرافي: يوجد نحو 95 إلى 97 مليون برميل من هذا المخزون العائم في المياه الآسيوية، خارج نطاق الحصار الجغرافي البحري المباشر.
- تسييل الأسعار الاضطراري: بعد أن كانت طهران تعرض نفطها دون خصومات حتى منتصف الشهر الماضي، اضطرت لتقديم خصم قدره 3 دولارات على نفطها الخفيف عالي الجودة، ليرتفع الخصم لاحقاً إلى نحو 5 دولارات.
- الخطوة الرسمية الأحدث: رفعت الشركة الوطنية الإيرانية لتجارة النفط (NIOC) عبر موقعها الرسمي قيمة الخصومات المقترحة على مختلف الخامات للشهر المقبل بمقدار 11 دولاراً كاملاً مقارنة بالشهر الجاري في محاولة مستميتة لجذب المشترين.
المتاهة اللوجستية وتآكل ربع العائدات النفطية
تتضاعف الكلفة التشغيلية لعمليات التصدير الإيرانية نتيجة الآليات المعقدة لإخفاء منشأ الشحنات (من خلال النقل من ناقلة إلى ناقلة STS عدة مرات واستئجار سفن تابعة لـ “أساطيل الظل”).
حسبة الخسائر: تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تكلفة نقل برميل النفط الإيراني الواحد إلى الموانئ الصينية قفزت إلى نحو 10 دولارات، وإذا ما أضيفت إليها الخصومات الممنوحة للمشترين وعمولات السماسرة، فإن نحو ربع العائدات النفطية الإيرانية (25%) يضيع بالكامل خلال عملية الالتفاف على العقوبات وتأمين التصدير.
ولا تتوقف الخسائر عند البيع، بل تمتد إلى ما بعد العملية؛ حيث تواجه طهران معوقات حادة في تحصيل الأموال أو تسييلها، مما يضطرها إلى مقايضة النفط بالسلع الصينية، وسط صعوبات بالغة في نقل وتأمين السلع داخل البلاد.
شلل التجارة غير النفطية وقفزة تكاليف الشحن 3 أضعاف
لم يقتصر الضرر الاقتصادي على قطاع الطاقة، بل امتد ليشمل البنية التجارية غير النفطية بين البلدين.
- بيانات الجمارك الصينية: كشفت الإحصاءات الرسمية الصينية أنه خلال الفترة الممتدة من آذار (مارس) الماضي وحتى حزيران (يونيو) من العام الجاري، لم يتجاوز إجمالي حجم التجارة غير النفطية بين الصين وإيران حاجز 830 مليون دولار فقط، وهو ما يعادل ربع الحجم المسجل خلال الفترة نفسها من العام الماضي (تراجع بنسبة 75%).
- تكاليف الحاويات: أكد علي إمامي، المدير العام للإمداد والدعم في منظمة تنمية التجارة الإيرانية، أن كلفة شحن البضائع من الصين إلى إيران تضاعفت إلى 3 مرات؛ حيث قفزت كلفة نقل الحاوية الواحدة من مستوياتها الطبيعية (2500 – 3500 دولار) لتتراوح حالياً بين 8 آلاف و9 آلاف دولار، مشيراً إلى أن هذه الأرقام سجلت حتى قبل تشديد إجراءات الحصار البحري الأمريكي الأخير.
ويُظهر واقع الأرقام المستمدة من حركة الموانئ والأسواق أن العقوبات والحصار البحري نجحا في إحداث قضم هيكلي حاد في الموارد المالية الإيرانية. إن خسارة 75% من حجم الصادرات النفطية للصين، جنباً إلى جنب مع تبدد ربع قيمة المبيعات المتبقية في كلفة الالتفاف والسمسرة، يضع الاقتصاد الإيراني أمام معضلة غير مسبوقة؛ فخزائن طهران لم تعد تواجه أزمة إنتاج، بل أزمة تسويق واسترداد أموال، في ظل مخزون هائل عائم في البحر ينتظر مشترياً يفرض شروطه السعرية القاسية.

