المسار الإنساني للقائد مصطفى معروف سعد ونهضة الوعي الشبابي

مصطفى سعد

في أغوار الوجود الإنساني، ثمة رجال لا يمرون على الأرض كعابري سبيل، بل يلقون بأنفسهم في قلب التيار، حافرين في صخور الواقع أثراً لا تمحوه الأيام. هؤلاء هم الذين يدركون أن قيمة الموقف الفكري تتجلى في مدى اشتباكها الحي بآلام الفئات الشعبية وطموحات الكادحين. إن قراءة السير النضالية تتطلب غوصاً وجدانياً يستحضر الفلسفة التي تحول بها الألم الشخصي إلى بلسم جماعي، والرؤية التي تجعل من العمل التربوي والإغاثي جسراً لنية عبور الأجيال نحو شواطئ الوعي والحرية. وفي تاريخنا المعاصر، تقف شخصية القائد الراحل مصطفى معروف سعد (أبو معروف) كرمز استثنائي نذر حياته لتجسيد هذا التلاحم الوثيق بين قيادة العمل الوطني وبين الاحتضان الوجداني لقضايا الإنسان والمجتمع.

انطلق مصطفى معروف سعد من بيئة شعبية أصيلة تمتد جذورها في تربة المواجهة لكل أشكال الظلم والحرمان. لم تكن القيادة بالنسبة إليه موقعاً سلطوياً، بل مسؤولية أخلاقية ثقيلة تتطلب الحضور الدائم في الميدان. كان يرى في المعاناة اليومية للفقراء وصيادي الأسماك قضية أصلية تتقدم على كل الحسابات الضيقة؛ لذا تبلورت رؤيته الاجتماعية والخيرية والصحية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من معركة إثبات الذات الوطنية. فلم يستشعر يوماً أن خدمات الإغاثة وتأسيس المستوصفات الشعبية مجرد عمل خير طارئ، بل كان يعتقد جازماً أن تأمين مقومات الصمود الاجتماعي هو جوهر النضال، وأن حماية الإنسان في صحته وغذائه وكرامته هي الركيزة الأولى لبناء مجتمع قادر على المواجهة.

ولعل الاختبار الحقيقي لمعدن الرجال يكمن في اللحظات الفاصلة. فعندما تعرض لمحاولة الاغتيال الآثمة عام 1985، والتي دفع فيها ضريبة بصرية وجسدية باهظة وفقد فيها ابنته الشهيدة، لم ينكفئ على جراحه ولم يستسلم لمرارة الفقد. بل تحول نوره الداخلي وبصيرته النافذة إلى منارة أشد ضياءً؛ إذ تحول منزله إلى مقصد يومي وملاذ لكل صاحب حاجة، وواصل إدارة شبكات الأمان الاجتماعي ومؤسسات الإغاثة الشعبية بروح لا تعرف الكلل. لقد أثبت أن الجسد قد يضعف، لكن الإرادة الحرة الحاملة لآلام الناس لا تُقهر، جاعلاً من وجعه الشخصي جسراً للتلاحم الإنساني، ومعطياً الأجيال درساً بليغاً في أن العطاء الأسمى هو ذاك الذي يولد من رحم المعاناة الصامتة والقوة الروحية الصلبة.

ولم يكن الميدان التربوي بعيداً عن هذه الرؤية الوجدانية. فقد كان يحمل إيماناً راسخاً بأن المعرفة هي الحصن المنيع الذي يحمي المجتمع من التجهيل والحرمان. ومن هذا المنطلق، أولى المدارس الرسمية والجامعة الوطنية عناية فائقة، وسعى دوماً لتوفير الفرص التعليمية والمنح للطلاب المتعثرين مادياً، كي لا يقف الفقر حائلاً دون تفتح الطاقات. كان يتطلع إلى التعليم بوصفه رافعة اجتماعية تحرر العقول وتمنح أبناء الفقراء والكادحين سلاح الوعي للتفوق، ليتحولوا من ضحايا للواقع إلى صناع حقيقيين للمستقبل.

في هذا المناخ المترسخ بالقيم، شهد قطاع الشباب والطلاب في زمنه نهضة استثنائية ونوعية. لم يكن القطاع الطلابي مجرد إطار تنظيمي تقليدي، بل تحول إلى ركيزة أساسية وفاعل تنموي وسياسي ونقابي بامتياز. فخلال أوقات الحصار والأزمات، كان الشباب هم الساعد التنفيذي لمبادرات الإغاثة، يتولون إدارة الأحياء الشعبية، وتنظيم المساعدات، وفتح الطرقات، مما غرس في نفوسهم حس المسؤولية المبكرة والقدرة على القيادة الميدانية.

وعلى الصعيد النقابي والتربوي، خاض قطاع الشباب نضالات واعية للدفاع عن حقوق الطلاب ومجانية التعليم، وقوفاً بوجه سياسات الإرهاق المالي، ومحولين الصروح التعليمية إلى ساحات للحوار الثقافي والتوعية الفكرية. كما تحولت المناسبات الوطنية إلى محطات تعبوية تجدد الالتزام بالقيم العربية الأصيلة، وتعزز الهوية القومية التحررية، وتؤكد على التلاحم المصيري مع قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ولم تتوقف هذه التجربة عند الحدود المحلية، بل تجاوزتها لتبني جسوراً متينة على الساحتين العربية والدولية. فقد قاد مصطفى معروف سعد هذا القطاع ليشكل سفارة فكرية ونضالية؛ فحجز الشباب موقعاً ريادياً في الاتحادات الشبابية والطلابية العربية، وكانوا حاضرين بفعالية وموضوعية في المهرجانات والمؤتمرات العالمية للشباب والطلاب. هناك، استطاع القطاع نقل المعاناة الإنسانية وفضح الانتهاكات، وحشد التضامن العالمي مع المعتقلين وقضايا شعوبنا العادلة بأسلوب حواري راقٍ نسج علاقات وثيقة مع الأطر التحررية عبر العالم.

لقد أثبتت تلك التجربة الغنية أن الانخراط الشبابي الواعي في القضايا الكبرى لا يبعدهم عن شؤونهم التربوية، بل يعمق مدركاتهم ويوسع أفقهم الفكري، ليخرج كادرات قيادية صلبة أثبتت جدارتها لاحقاً في مختلف الميادين. كما استطاع هذا النهج الإنساني صهر التنوع الاجتماعي، مظهراً أن الشباب حين يلتفون حول قضية عادلة يتجاوزون الحساسيات الضيقة ويصنعون نموذجاً مشرقاً في الوحدة والتكامل.

العبر والاستنتاجات الشاملة لنهضة العمل الشبابي والتربوي:

تضع هذه السيرة العطرة والمسار النضالي الحافل أمام الأجيال المعاصرة والمؤسسات التربوية والاجتماعية خلاصة فكرية وعملية ذات أبعاد عميقة، توضح الشروط الأساسية لأي نهوض شبابي ومجتمعي مأمول:

أولاً: إن التلازم العضوي بين العمل الاجتماعي والإنساني وبين الوعي السياسي يشكل الضمانة الحقيقية لنجاح أي مشروع نهضوي. فالعمل الوطني لا يكتسب مشروعيته الراسخة إلا حين يكون خادماً للإنسان، حامياً لكرامته الصحية والتعليمية والمعيشية، ومباشراً لحاجات الطبقات الشعبية دون تسويف أو استعلاء.

ثانياً: إن إعداد الشباب وتحصينهم فكرياً وثقافياً يتطلب فتح الآفاق أمامهم للمشاركة الفاعلة في القضايا الكبرى، وتحويل المؤسسات التعليمية والأطر الطلابية إلى مدارس حقيقية لبناء الشخصية القيادية المسؤولة. إن الشباب حين يربطون بين تحصيلهم العلمي وقضايا مجتمعهم، يكتسبون مناعة ضد السلبية والسطحية، ويتسلحون بالوعي النقدي والقدرة على العطاء.

ثالثاً: إن الانفتاح التواصلي والدبلوماسية الشبابية على المستويين العربي والدولي يمثلان أداة جوهرية لتوسيع المدارك ونقل التجارب الإنسانية الرائدة. إن بناء شبكات التواصل الشبابي القائمة على المبادئ السامية يعزز حضور القضايا العادلة في المحافل العالمية، ويمنح الحركة الشبابية بعداً إنسانياً شاملاً يتجاوز الأطر الضيقة.

رابعاً: إن القيادة القدوة التي تقدم التضحيات وتلتحم بآلام الناس هي المحرك الأساسي لبناء الثقة. متى وجد الشباب قيادة تتمتع بالنزاهة والصلابة والإيثار، تجسد القول بالعمل، فإنهم يندفعون بطاقاتهم الخلاقة لبناء مجتمع أكثر عدلاً ووعياً وتماسكاً، محولين التحديات إلى فرص والآلام إلى إنجازات حضارية خالدة.

السابق
الأمن والسيادة الوطنية مطلب اللبنانيين الشرفاء ورفضهما عمالة وانصياع
التالي
الرئيس عون: رسالة هذا الوطن أكبر من أزماته وهو أرض للعيش المشترك