حين دخل الغريب إلى بيت جدّي…

جاد الأخوي

هناك بيوت لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالذكريات.

بيوت، إذا ذُكر اسمها، لا نتذكر أبوابها ونوافذها، بل نتذكر وجوهًا رحلت، وأصواتًا ما زالت تسكننا، وضحكاتٍ ما زالت تتردد في أذهاننا بعد عشرات السنين.

هكذا كان بيت جدّي في كفرتبنيت.

كلما نطقت باسمه، لا أرى الجدران، بل أرى طفولتي. أسمع ضحكات إخوتي وأبناء خالاتي، أشم رائحة القهوة التي كانت تجمع الكبار في الصباح، وأرى جدتي تتحرك بين الغرف، كأنها القلب الذي يضخ الحياة في البيت كله.

كان بيتًا يختصر العائلة.

مروان… الذي رمّم الذاكرة

وحين كبرنا، وتفرقت بنا الحياة، ورحلت جدتي ورحل جدي، بقي هناك من رفض أن يسمح للذاكرة أن تنهار مع الحجارة. ابن خالتي مروان لم يرمم منزلًا فقط، بل رمم جزءًا من أرواحنا. أعاد الحياة إلى بيت جدّي، وجعله مقصدًا للعائلة في الأعياد والمناسبات، حتى شعرنا أن الزمن، مهما سرق منا، لم يستطع أن يسرق بيتنا.

كلما عدت إليه، كنت أشعر أن طفولتي ما زالت تنتظرني عند الباب.

وأن السنوات التي مضت لم تكن سوى غياب مؤقت.

بيت في مواجهة الحرب

يقف بيت جدّي في مواجهة تلة علي الطاهر، شاهدًا على عقود من الحروب والهدوء، والخوف والأمل. كم مرة مرّ الموت بالقرب منه ولم يأخذه؟ كم مرة ظننا أن الحرب ستبتلعه، لكنه بقي واقفًا، كأنه يرفض أن يسقط، لأن فيه ذاكرة عائلة بأكملها.

لكن قبل أيام، وصلني خبر هزّني من الداخل.

أخبرني مروان أن الجيش الإسرائيلي دخل بيت جدّي، وما زال في داخله.

في تلك اللحظة، لم أفكر بالسياسة، ولا بالجبهات، ولا بالخرائط العسكرية.

شعرت فقط أن أحدًا اقتحم خصوصيتي.

أن غرباء دخلوا المكان الذي احتضن أجمل سنوات عمري.

أن أقدامًا لا تعرف شيئًا عن تاريخ هذا البيت تمشي فوق الأرض نفسها التي ركضت عليها طفلًا.

حين تدافع الذاكرة عن المكان

ومنذ سمعت الخبر، أخذت الذاكرة تستعيد نفسها، كأنها تدافع عن البيت بطريقتها الخاصة.

عدت إلى ساحة البيت بعد الظهر…

حيث كان أهل كفرتبنيت يتجمعون تلقائيًا حول جدّي. لم تكن هناك دعوات، ولا مواعيد، ولا رسائل هاتف. كان الجميع يعرف أن اللقاء سيكون هناك.

يجلس الرجال حوله، يتبادلون الأخبار، ويحلّون مشاكل الناس، ويتجادلون في السياسة، ثم يضحكون حتى تغيب الشمس.

كانت تلك الساحة برلمان القرية الحقيقي.

وأتذكر التلفزيون الأبيض والأسود الذي كان يجمع الجميع.

لم تكن هناك أرائك فاخرة، بل حُصرٌ مفروشة على الأرض، يجلس عليها أهل الضيعة كتفًا إلى كتف، كأنهم عائلة واحدة.

أم سليم… ذاكرة لا تشيخ

وأتذكر مشهدًا لا يمكن أن يمحوه الزمن…

أم سليم.

بعد يوم طويل من العمل في “الحقلة”، كانت تجلس لتشاهد التلفزيون. وما هي إلا دقائق حتى يغلبها النعاس، فتسند رأسها على كتف أبو سليم، وتغرق في نوم عميق.

ثم يبدأ شخيرها…

فيعمّ الصمت لثوانٍ.

فينحني أبو سليم نحوها هامسًا، بصوت خافت حتى لا يحرجها:

“قومي… عيب.”

فتفتح عينيها مرتبكة.

وتنفجر النساء بالضحك.

ويبتسم الرجال.

ويعود الجميع لمتابعة التلفزيون، وكأن شيئًا لم يكن.

لم يكن أحد يسخر منها.

بل كنا ننتظر هذه اللحظة كل مرة، لأنها كانت جزءًا من روح المكان.

كما كانت شجرة التين، ورائحة الخبز، وصوت جدّي وهو ينادي أحد أحفاده.

هل يعرف الغريب أين دخل؟

واليوم…

أتساءل.

هل يعرف من دخل ذلك البيت أنه لم يدخل منزلًا عاديًا؟

هل يعرف أن هذه الزاوية شهدت أولى خطوات أطفال أصبحوا اليوم أجدادًا؟

هل يعرف أن هذه الجدران استقبلت أعراسًا وعزاءات، ومصالحات وولادات، وأعيادًا لا تزال تعيش في قلوبنا؟

هل يعرف أن كل حجر في هذا البيت يحمل اسمًا، وكل نافذة تحفظ وجهًا، وكل عتبة تحفظ خطوة إنسان رحل؟

ربما يرى بيتًا.

أما أنا فأرى عمرًا كاملًا.

ربما يفتح بابًا.

أما أنا فأسمع ضحكاتٍ لم تغادر المكان.

ربما ينظر إلى الجدران.

أما أنا فأرى وجوه جدّي وجدتي، وأقاربنا، وكل الذين مروا من هنا وتركوا جزءًا من أرواحهم بين هذه الحجارة.

ما لا يستطيع الاحتلال أن يحتله

قد يستطيع أي جيش أن يدخل بيتًا.

لكن لا جيش يستطيع أن يدخل الذكريات.

ولا أن يحتل طفولة.

ولا أن يصادر دفء عائلة.

ولا أن يمحو تاريخًا عاش في هذا المكان.

الحجر يمكن أن يُرمم.

والأبواب يمكن أن تُبدّل.

والجدران يمكن أن تُعاد بناؤها.

أما الذكريات فلا يستطيع أحد أن يسرقها.

العودة إلى البيت

سيخرج الغرباء يومًا من بيت جدّي.

وسيعود البيت إلى أصحابه.

وربما لن يكون جدّي هناك ليستقبلنا، ولن تكون أم سليم لتنام على كتف أبو سليم، ولن يعود كثيرون ممن صنعوا أجمل أيامنا.

لكنني أعرف أننا، حين نجتمع مرة أخرى في تلك الساحة، سنشعر أنهم جميعًا حاضرون.

سنسمع ضحكاتهم.

وسنشم رائحة القهوة نفسها.

وسنلتفت، من دون أن نشعر، وكأننا ننتظر صوت أبي سليم يهمس:

“قومي… عيب.”

عندها فقط سندرك أن البيوت التي يسكنها الحب لا تموت.

وأن الاحتلال قد يدخل المكان…

لكنه يبقى عاجزًا أمام وطنٍ صغير اسمه الذاكرة.

السابق
أزمة طاقة في طهران: خسارة ربع إيرادات النفط وتراكم 140 مليون برميل في البحر
التالي
«ملتقى التأثير المدني» والجامعة اللبنانية الثقافية يوقعان مذكرة تفاهم استراتيجية لخمس سنوات