خرجت القمة اللبنانية – الأميركية من إطار الصور والمواقف إلى مرحلة اختبار التنفيذ، فيما بدأت الدولة اللبنانية ترجمة خطابها السيادي بخطوات ميدانية من الجنوب، حيث شكّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة زوطر الغربية، أولى المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، إعلاناً عملياً لعودة الدولة إلى الأرض، بالتوازي مع ترقب ترجمة التفاهمات التي أُنجزت في واشنطن إلى وقائع سياسية وأمنية تعيد تثبيت الاستقرار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.
زوطر… بداية تثبيت الدولة
من زوطر الغربية، وجّه سلام رسالتين واضحتين: الأولى أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية لا يزال الهدف الأساسي للدولة، والثانية أن المؤسسات الشرعية ستواكب عودة الأهالي عبر انتشار الجيش والقوى الأمنية وإعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لإحياء القرى الجنوبية. وجاء غرس العلم اللبناني في البلدة ليكرّس رمزية انتقال الدولة من مرحلة المطالبة بالسيادة إلى مرحلة تثبيتها ميدانياً.
ثلاث ثمار للقمة
وفي موازاة الحراك الميداني، تكشف مصادر سياسية مطلعة أن نتائج لقاء الرئيس جوزيف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بدأت تتبلور عبر ثلاثة مسارات عملية.
أولها إعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، مع ترتيبات أمنية مشتركة بين السلطات اللبنانية ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI). وثانيها برنامج دعم جديد للجيش اللبناني بقيمة تقارب 150 مليون دولار يشمل التدريب والتجهيزات والأسلحة، بانتظار تحديد القيادة العسكرية حاجاتها التفصيلية.
أما المسار الثالث، فيتمثل بزيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى بيروت، حيث تشير المعلومات إلى أن محطتها الأساسية ستكون لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، لإبلاغه رسالة أميركية تدعو إلى دعم الاتفاق الإطاري والوقوف إلى جانب العهد والدولة باعتبار نجاح هذا المسار مدخلاً لإعادة بناء المؤسسات واستكمال تنفيذ وقف إطلاق النار.
بري: الامتحان في التنفيذ
وفي أول تعليق له على نتائج القمة، ربط رئيس مجلس النواب نبيه بري نجاحها بما يتحقق على الأرض، مؤكداً أن العبرة ليست في أجواء اللقاء بل في تثبيت وقف إطلاق النار وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل. واعتبر أن ما جرى في زوطر لا يكفي لاعتباره تحولاً حاسماً، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التفجير داخل القرى الجنوبية، مشيراً إلى أن الإنجازات الميدانية وحدها كفيلة بإثبات جدية المسار الجديد.
الحزب يسخر ويتمسك بموقفه
في المقابل، واصل حزب الله رفضه للمقاربة الأميركية. واعتبر النائب حسين الحاج حسن أن قمة واشنطن لم تنتج سوى وعود عامة بلا ضمانات أو جداول زمنية، ساخراً من حديث ترامب عن إمكان التواصل مع الحزب بالقول: “كنا عم نشرب قهوة”. كما شدد على أن الاتفاق الإطاري يحتاج إلى المسارات الدستورية اللبنانية، مؤكداً استمرار العلاقة الوثيقة بين الحزب والجيش ورفض أي محاولة لتصوير تسليح المؤسسة العسكرية في مواجهة المقاومة.
عون يشرح مقاربة الدولة
بالتوازي، قدّم الرئيس عون من واشنطن مقاربة مختلفة لملف سلاح حزب الله، معتبراً أن معالجة القضية لا تكون بالمواجهة، بل عبر مسار تتولى فيه الدولة وحدها بسط سلطتها واحتكار قرار الحرب والسلم، مؤكداً أن عناصر الحزب مواطنون لبنانيون، وأن نجاح هذا الانتقال يحتاج إلى دعم دولي وضمانات سياسية وأمنية، في ظل ما وصفه بأكثر التزام أميركي باستقرار لبنان منذ عقود.
الميدان يضغط
لكن في مقابل الحراك السياسي، بقي الجنوب تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي، مع توغلات في برج الملوك وصربين، وقصف وغارات على النبطية الفوقا، وعمليات تفجير في برعشيت وحداثا، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي انفجار عبوة قرب سيارتي إسعاف للصليب الأحمر في ميفدون، مرجحاً مسؤولية حزب الله عنها.
إقليمياً، توسعت دائرة التوتر مع اعتراض الأردن صواريخ إيرانية دخلت مجاله الجوي، فيما دوت صفارات الإنذار في البحرين وسُجلت عمليات اعتراض دفاعية في منطقة الدمام السعودية، بما يعكس استمرار اشتعال الجبهة الإقليمية بالتوازي مع محاولات تثبيت التهدئة في لبنان.

