ليست مشكلة لبنان في وجود الأحزاب بحد ذاتها، فالديمقراطيات تقوم على التعددية السياسية، لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى كيانات تعلو على الدولة، وتصبح شعاراتها وعقائدها ومصالحها مقدمة على الدستور والقانون والمصلحة الوطنية. عندها لا يعود الحزب أداة للعمل السياسي، بل يصبح مشروع سلطة موازية، وربما مشروع صراع دائم.
منذ نشأة معظم الأحزاب اللبنانية، لم يعرف البلد استقرارًا طويلًا. فمن اليسار إلى اليمين، ومن الأحزاب العقائدية إلى الطائفية، ومن التنظيمات المسلحة إلى الأحزاب التقليدية، كان الصراع هو القاعدة لا الاستثناء. تبدلت الشعارات، لكن النتيجة بقيت واحدة: حروب داخلية، انقسامات، اغتيالات، تدخلات خارجية، ودمار دفع ثمنه اللبنانيون جميعًا.
لم يعد الإصلاح يقتصر على تعديل قانون الانتخابات أو تغيير الحكومات، بل يبدأ بإقرار قانون عصري لتنظيم الأحزاب السياسية. يُلزم جميع الأحزاب باحترام الدستور والقوانين
كل حزب ادّعى أنه يحمل مشروع الإنقاذ، لكن لبنان كان يغرق أكثر. وكل فريق رفع شعارات المقاومة أو السيادة أو الإصلاح أو العدالة الاجتماعية، لكن المواطن بقي يبحث عن أبسط حقوقه: دولة تحميه، وقضاء ينصفه، ومؤسسات تعمل بعيدًا عن الولاءات الحزبية.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن ترك الأحزاب من دون ضوابط قانونية صارمة سمح بتحول بعضها إلى مراكز نفوذ تتجاوز الدولة، وترتبط أحيانًا بتمويل أو أجندات خارجية، الأمر الذي أفقد العمل السياسي جوهره، وحوّل التنافس الديمقراطي إلى صراع مفتوح على السلطة والنفوذ.
لذلك، لم يعد الإصلاح يقتصر على تعديل قانون الانتخابات أو تغيير الحكومات، بل يبدأ بإقرار قانون عصري لتنظيم الأحزاب السياسية. قانون يفرض الشفافية المالية، ويمنع أي تمويل أو ارتباط خارجي، ويُلزم جميع الأحزاب باحترام الدستور والقوانين، ويحصر السلاح بيد الدولة، ويجعل الولاء للبنان وحده.
فلا يمكن أن تقوم دولة قوية فيما الأحزاب أقوى من مؤسساتها، ولا يمكن أن يثق المواطن بدولته إذا كانت القرارات المصيرية تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية.
إن بناء الدولة يبدأ من إعادة تنظيم الحياة السياسية، بحيث تكون الأحزاب جزءًا من الدولة لا بديلًا عنها، وخاضعة للقانون لا فوقه. وحدها دولة القانون والمؤسسات قادرة على حماية جميع اللبنانيين، ووضع حد لعقود من الصراعات التي لم تُنتج إلا الانقسام والدمار والهجرة.

