تدخل مرحلة ما بعد توقيع اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي برعاية أميركية مسارًا عمليًا مع وصول قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إلى بيروت، في زيارة تحمل عنوانًا أساسيًا هو وضع آلية تنفيذ الاتفاق موضع التطبيق، وسط انقسام سياسي داخلي حاد بين السلطة التي تعتبر الاتفاق مدخلًا لإعادة تثبيت الاستقرار واستعادة السيادة، وبين قوى معارضة، وفي مقدمتها الثنائي الشيعي، ترى فيه تنازلًا سياسيًا وأمنيًا لا يمكن القبول به.
وتكتسب زيارة كوبر أهمية استثنائية لأنها تأتي مباشرة بعد زيارته إلى إسرائيل، بما يعكس استمرار الرعاية الأميركية المباشرة للاتفاق، ويؤكد أن واشنطن انتقلت من مرحلة التوصل إلى التفاهم إلى مرحلة متابعة التنفيذ ميدانيًا عبر اللجنة العسكرية التقنية الخاصة بلبنان، المكلفة مراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على تطبيق الترتيبات الأمنية.
من الاتفاق إلى التنفيذ
المعطيات المتداولة تشير إلى أن البحث لم يعد يدور حول مبدأ الاتفاق نفسه، بل حول كيفية تنفيذه. وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إسرائيلية عن تحضيرات أولية للانسحاب من بلدات فرون والغندورية وزوطر الغربية، بالتزامن مع دراسة أميركية لإنشاء آلية رقابة على وقف إطلاق النار، بما يحد من احتمالات انهيار التفاهمات أو تجدد الاشتباكات.
كما حمل لقاء قائد الجيش العماد رودولف هيكل بالأميرال كوبر رسالة واضحة حول تمسك المؤسسة العسكرية بدورها في إنجاح الملحق الأمني للاتفاق، مع التأكيد على استمرار التعاون العسكري اللبناني – الأميركي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في تنفيذ المرحلة المقبلة.
معارضة سياسية… دون تصعيد داخلي
في المقابل، لم تتراجع مواقف المعترضين على الاتفاق، إذ وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري الاتفاق بأنه “إملاءات”، واعتبره أسوأ من اتفاق 17 أيار، مؤكدًا رفضه له، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى عدم الانجرار نحو أي مواجهة داخلية أو تحركات شعبية قد تفتح الباب أمام الفوضى.
أما حزب الله، فرفع سقف الاعتراض السياسي عبر نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي الذي اعتبر أن الاتفاق “ولد ميتًا”، مؤكداً أن الحزب لن يسمح بتطبيقه، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الحزب لا يعتزم النزول إلى الشارع أو الاستقالة من الحكومة، ما يعكس استمرار التعامل مع المرحلة من داخل المؤسسات الدستورية، بالتوازي مع استمرار الرهان على نتائج المسار التفاوضي الأميركي – الإيراني.
وهذا التمايز بين الخطاب السياسي المرتفع وغياب خطوات تصعيدية داخلية يوحي بأن الاعتراض، في هذه المرحلة على الأقل، يتركز على تسجيل الموقف أكثر من السعي إلى فرض وقائع ميدانية جديدة.
الدولة تتمسك بأولوياتها
في المقابل، تبدو السلطة اللبنانية ماضية في تثبيت أولوياتها، كما عبّر عنها وزير الخارجية يوسف رجي، الذي أكد أن الحكومة تركز على ثلاثة أهداف مترابطة: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، واستكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة.
ويحظى هذا التوجه بدعم خارجي واضح، سواء من الاتحاد الأوروبي الذي جدد دعمه لاستقرار لبنان، أو من دول مجلس التعاون الخليجي التي رحبت بالاتفاق، معتبرة أنه يشكل فرصة لتعزيز سيادة الدولة وحصر قرار السلم والحرب بمؤسساتها الشرعية.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن الدولة ماضية في بناء “دولة واحدة تحمي جميع اللبنانيين وتحافظ على حقوقهم”، في رسالة تعكس تمسك الرئاسة بخيار تعزيز مؤسسات الدولة رغم التعقيدات السياسية القائمة.
بين الميدان والسياسة
ورغم المسار السياسي، بقي الجنوب يشهد توترًا ميدانيًا مع استمرار القصف الإسرائيلي والغارات الجوية، في مقابل إعلان حزب الله احتفاظه بحق الرد والدفاع عن النفس، ما يؤكد أن وقف الأعمال العدائية لا يزال هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أي تطور أمني.
ومن هنا، تبدو المرحلة الحالية اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التزاماتها بموجب اتفاق الإطار، واختبارًا لقدرة القوى السياسية على إبقاء خلافاتها ضمن الأطر الدستورية وعدم نقلها إلى الشارع.
وبين اعتراض سياسي معلن، ورعاية أميركية مباشرة، ودعم عربي ودولي، واستمرار التوتر على الحدود، يدخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها الأساسي الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى محاولة إدارة الاستقرار، فيما سيبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرة جميع الأطراف على الالتزام بالتفاهمات، وبمدى توافر الإرادة السياسية لتحويل الاتفاق من وثيقة موقعة إلى واقع قابل للحياة.

