يقف لبنان أمام منعطف تاريخي قد يكون الأكثر أهمية منذ عقود. فبعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات المفتوحة والاحتلالات المباشرة وغير المباشرة، نجحت الدبلوماسية اللبنانية، بدعم عربي ودولي واسع تقوده الولايات المتحدة والسعودية وقطر، في انتزاع فرصة سياسية غير مسبوقة لوضع البلاد على سكة استعادة سيادتها الكاملة وإنهاء دوامة المواجهات التي استنزفت اللبنانيين.
فقد تُوّجت أربعة أيام من المحادثات المكثفة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن بتوقيع إعلان نيات يتضمن آلية لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، بالتوازي مع تقدم الجيش اللبناني في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة. ويبدأ المسار من منطقتين نموذجيتين، إحداهما ضمن المنطقة الصفراء والأخرى شمال الليطاني، على أن يتوسع لاحقاً ليشمل كامل الأراضي اللبنانية.
كما يتضمن الاتفاق مبادىء لسلام مستدام بين البلدين، عبر العمل على إنهاء حالة العداء، انطلاقاً من قناعة دولية متزايدة بأن زوال واقع السلاح الخارج عن الدولة كفيل بإقفال صفحة الحروب المتكررة على الجبهة الجنوبية.
حزب الله ينزل إلى الشارع ويرفض الاتفاق
لكن ما اعتبره لبنان الرسمي فرصة ذهبية لاستعادة الأرض والسيادة، تلقاه حزب الله باعتباره تهديداً مباشراً لمشروعه السياسي والعسكري.
فما إن أُعلن توقيع الاتفاق حتى شهدت شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق عدة تحركات احتجاجية نفذها مناصرون للحزب، حيث جابت مواكب الدراجات النارية الطرقات رافعة أعلام الحزب، فيما عمد محتجون إلى قطع بعض الطرق بالإطارات المشتعلة.
وسارع الجيش اللبناني إلى التدخل لإعادة فتح الطرق وتفريق المحتشدين، في رسالة واضحة تؤكد إصرار الدولة على منع أي محاولة لفرض أمر واقع جديد في الشارع.
في المقابل، صعّد مسؤولو الحزب من خطابهم السياسي، معتبرين الاتفاق “استسلاماً كاملاً” أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. وأكدت قيادات الحزب أنها لا تعترف بالاتفاق، وأن مستقبل خطواتها سيُحدد بعد سلسلة مشاورات داخلية ومع الحلفاء، في مؤشر إلى مرحلة سياسية شديدة الحساسية قد تشهد تصاعداً في المواجهة بين مشروع الدولة ومشروع السلاح.
الدولة تتحرك أمنياً وقضائياً
وفي خطوة تعكس جدية السلطة في حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى، أصدر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج استنابة قضائية إلى مختلف الأجهزة الأمنية، طالب فيها باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أعمال الشغب وقطع الطرق والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة.
كما طلب تحديد هويات المخالفين وملاحقتهم قانونياً، في إشارة واضحة إلى أن الدولة عازمة على فرض هيبتها ومنع أي محاولات لتعطيل المسار الجديد الذي انطلق بعد توقيع الاتفاق.
بري يحذر من الفتنة
وسط هذا المشهد المتوتر، اختار رئيس مجلس النواب نبيه بري لغة التحذير، داعياً اللبنانيين إلى تجنب الانجرار نحو الفتنة.
وفي بيان مقتضب حمل الكثير من الدلالات، قال بري: “يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة”، مستشهداً بالمقولة الشهيرة: “كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب”.
وإذا كان موقف بري قد دعا إلى التهدئة، فإنه عكس في الوقت نفسه حجم القلق من التداعيات الداخلية التي قد تواكب تطبيق الاتفاق وما قد يثيره من انقسامات سياسية وشعبية.
ترحيب عربي ودولي ودعم غير مسبوق للجيش
في المقابل، حظي الاتفاق بترحيب عربي ودولي واسع. فقد أكدت الإمارات والأردن وألمانيا ودول غربية عدة دعمها للمسار الجديد، معتبرة أنه يفتح نافذة حقيقية لتحقيق الاستقرار في لبنان والمنطقة.
كما تلقى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اتصالات دعم من قادة عرب ودوليين، شددت على ضرورة مواكبة الدولة اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة.
ولم يقتصر الدعم على المواقف السياسية، إذ أعلنت الولايات المتحدة تخصيص مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة 100 مليون دولار للبنان، إضافة إلى تعزيز دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته العسكرية والأمنية. كما أبدى البنتاغون استعداده لتقديم أكثر من 30 مليون دولار إضافية دعماً للمؤسسة العسكرية، فيما تتحضر باريس لإطلاق مؤتمر دولي جديد لمساندة الجيش.
وبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه يشكل بداية فعلية لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة وإنهاء عقود من الحروب، يبقى التحدي الأساسي في قدرة السلطة على ترجمة التفاهمات إلى وقائع ميدانية، وفرض مشروع الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، في مواجهة رفض حزب الله وتمسكه بسلاحه ودوره العسكري. وبين هذين الخيارين، يقف لبنان أمام لحظة مصيرية قد تحدد مستقبله لعقود مقبلة.

