منذ أكثر من مئة عام، واللبنانيون يبحثون عن دولة تجمعهم، فيما تستمر الطوائف في حكم حياتهم السياسية. وعلى الرغم من تغير العهود والرؤساء والتحالفات وموازين القوى، بقي السؤال نفسه يتكرر جيلاً بعد جيل: لماذا فشل لبنان في بناء دولة مستقرة وعادلة وقادرة على تأمين حياة كريمة لمواطنيه؟
كثيرون يحاولون تحميل المسؤولية لطائفة معينة أو لمرحلة محددة من تاريخ لبنان، لكن قراءة هادئة لمسار القرن الماضي تكشف حقيقة مختلفة؛ فالأزمة ليست أزمة طائفة حكمت وأخرى لم تحكم، وليست نتيجة تفوق فريق على آخر أو تراجع نفوذ فريق لمصلحة خصمه، بل هي أزمة نظام سياسي تأسس على الانتماءات الطائفية قبل أن يتأسس على مفهوم المواطنة.
عندما أُعلن قيام لبنان الكبير عام 1920، كان الهدف إنشاء كيان يجمع مكونات متعددة ضمن إطار سياسي واحد. غير أن هذا الكيان ولد في بيئة تقوم على التوازنات الطائفية أكثر مما تقوم على بناء دولة حديثة. ومنذ البدايات، ارتبط توزيع السلطة والإدارة والوظائف بالانتماء الديني والمذهبي، فتحولت الطوائف تدريجياً إلى وحدات سياسية تتنافس على الحصص والنفوذ.
ومع الاستقلال عام 1943، جاء الميثاق الوطني ليؤسس لتفاهم تاريخي بين اللبنانيين، لكنه في الوقت نفسه كرس توزيع السلطة بين الطوائف الكبرى. قد يكون ذلك مفهوماً في ظروف تلك المرحلة، إلا أن ما كان يُفترض أن يكون حلاً انتقالياً تحول مع الوقت إلى قاعدة ثابتة للحكم. وهكذا أصبح المواطن يُعرَّف سياسياً من خلال طائفته قبل أن يُعرَّف بصفته مواطناً في دولة واحدة.
في العقود الأولى للاستقلال، حقق لبنان إنجازات اقتصادية وثقافية مهمة، واستطاع أن يصبح مركزاً مالياً وإعلامياً وسياحياً في المنطقة. لكن خلف هذه الصورة اللامعة كانت تتراكم اختلالات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. فقد شعرت فئات واسعة بأنها خارج دائرة القرار أو التنمية، فيما بقي النظام عاجزاً عن تطوير نفسه بما يتناسب مع التحولات الديموغرافية والسياسية التي شهدها البلد.
ومع تصاعد التوترات الداخلية والإقليمية، انفجرت الحرب الأهلية عام 1975، لتكشف هشاشة الدولة اللبنانية. خلال خمسة عشر عاماً من الحرب، انهارت المؤسسات، وتوزعت مناطق النفوذ بين الميليشيات، وتحولت الطوائف إلى كيانات سياسية وأمنية وعسكرية متقابلة. لم تعد الدولة المرجعية العليا، بل أصبحت مجرد عنوان يتراجع أمام السلاح والانقسام والتدخلات الخارجية.
وعندما وُقع اتفاق الطائف عام 1989، تنفس اللبنانيون الصعداء بعد سنوات طويلة من الدم والدمار. وقد شكل الاتفاق خطوة مهمة لإيقاف الحرب وإعادة بناء المؤسسات الدستورية وتوحيد البلاد. كما نص بوضوح على العمل من أجل إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً باعتبارها هدفاً وطنياً أساسياً، وعلى بناء دولة أكثر توازناً وعدالة بين اللبنانيين.
لكن ما حدث لاحقاً أن الجزء المتعلق بتقاسم السلطة نُفذ بدقة، بينما بقي الجزء الإصلاحي معلقاً. فاستمرت المحاصصة، وتوسعت الزبائنية السياسية، وتحولت الدولة إلى ساحة تنافس بين القوى الطائفية على المواقع والإدارات والموارد العامة. وبقيت البنود الإصلاحية الأساسية، وفي مقدمتها الخروج التدريجي من النظام الطائفي، خارج دائرة التنفيذ الفعلي.
وخلال العقود التالية، تعاقبت على الحكم قوى تنتمي إلى مختلف الطوائف والمناطق. تغيرت الأحجام السياسية أكثر من مرة، وتبدلت التحالفات مرات لا تحصى، وانتقلت مراكز النفوذ من فريق إلى آخر. ومع ذلك، لم تتغير النتائج. بقيت الكهرباء أزمة مزمنة، واستمر الهدر والفساد، وتراجعت الخدمات العامة، وارتفع الدين العام، فيما كانت فرص العمل تتضاءل أمام الشباب اللبناني.
وهنا تظهر الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها: جميع الطوائف شاركت في السلطة بدرجات متفاوتة، وجميع القوى السياسية رفعت شعارات الإصلاح، لكن الدولة بقيت ضعيفة. ولو كانت المشكلة في طائفة بعينها لكان تبدل موازين القوى كفيلاً بإنتاج واقع مختلف. أما وقد تكررت الأزمات في ظل حكومات وتحالفات متعددة، فهذا يعني أن الخلل أعمق من الأشخاص والأحزاب والطوائف، وأنه يكمن في بنية النظام نفسه.
ثم جاءت الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي لتشكل الدليل الأكثر وضوحاً على فشل النموذج القائم. فقد انهارت الليرة، وتبخرت مدخرات اللبنانيين، وازدادت معدلات الفقر والهجرة، فيما عجزت الدولة عن حماية مواطنيها أو محاسبة المسؤولين عن الكارثة. وللمرة الأولى منذ عقود، شعر اللبنانيون من مختلف الطوائف أنهم يواجهون المصير نفسه، وأن الانهيار لا يميز بين منطقة وأخرى أو بين طائفة وأخرى.
ولعل أخطر ما أنتجه النظام الطائفي ليس فقط الفساد أو سوء الإدارة، بل ثقافة الخوف المتبادل. فقد تربت أجيال كاملة على فكرة أن حماية الحقوق لا تأتي من الدولة بل من الزعيم، وأن الطائفة هي الملاذ الأخير عند الأزمات. وبهذا المعنى، أصبح النظام يعيد إنتاج نفسه باستمرار، لأن المواطن يخشى خسارة الحماية الطائفية حتى وهو يدرك أن هذه الحماية كانت أحد أسباب انهيار الدولة.
بعد قرن من التجارب، بات واضحاً أن لبنان لا يحتاج إلى إعادة توزيع الحصص بين الطوائف، بل إلى إعادة تأسيس العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم على أسس جديدة. فالأزمة الحقيقية ليست في هوية من يحكم، بل في طبيعة النظام الذي يحكم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، عقد يؤسس لمرحلة مختلفة من تاريخ الوطن، تكون فيه المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، لا الانتماء الطائفي أو المذهبي أو المناطقي.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على توازن الجماعات، بل على المساواة بين المواطنين أمام القانون، وعلى شعور الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. ولذلك فإن أي مشروع إنقاذي حقيقي للبنان يجب أن يبدأ بالانتقال التدريجي من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة.
وهذا الانتقال يقتضي السير نحو الفصل بين الدين والدولة، أو ما يُعرف بالدولة المدنية العلمانية. وليس المقصود بذلك معاداة الدين أو إقصاءه من المجتمع، بل على العكس تماماً. فالمطلوب هو تحرير مؤسسات الدولة من الانقسامات الطائفية والمذهبية، بحيث تصبح المواطنة والكفاءة هما المعيار في تولي المسؤوليات العامة، بدلاً من الزبائنية السياسية والانتماء الطائفي أو المناطقي.
فالعلمنة التي يحتاجها لبنان ليست مشروعاً لإلغاء التنوع الديني والثقافي، بل هي الإطار الذي يحمي هذا التنوع ويصونه. وهي التي تضمن للمواطنين حق ممارسة شعائرهم الدينية وحرياتهم الفكرية والثقافية ومعتقداتهم الشخصية تحت حماية الدولة والقانون، بعيداً عن أي تمييز أو امتيازات خاصة. فكلما كانت الدولة محايدة تجاه معتقدات مواطنيها، ازدادت قدرتها على حماية الجميع على قدم المساواة.
وفي هذا السياق، تصبح الدولة الضامن الأول للحريات العامة والخاصة، وحامية التعددية اللبنانية بكل أبعادها. فحرية الرأي والتعبير والاعتقاد والتنظيم السياسي ليست مِنّة من أحد، بل حقوق أصيلة يجب أن يحميها الدستور والقانون والمؤسسات المستقلة.
غير أن العلمنة وحدها لا تكفي لبناء دولة عادلة. فالتجارب الإنسانية أثبتت أن الفصل بين الدين والدولة إذا لم يقترن بديمقراطية حقيقية ومؤسسات رقابية فاعلة ومساءلة شفافة، يمكن أن يتحول إلى شكل آخر من أشكال الاستبداد. لذلك فإن الدولة المدنية المنشودة يجب أن تقوم بالتوازي مع نظام ديمقراطي حي وفاعل يضمن تداول السلطة ومحاسبة المسؤولين ومنع احتكار القرار السياسي.
ومن هنا تبرز أهمية إقرار قانون انتخاب عصري وعادل يتيح التمثيل الصحيح لمختلف مكونات المجتمع اللبناني، ويشجع على نشوء أحزاب وبرامج سياسية وطنية عابرة للطوائف، ويؤمن التداول السلمي للسلطة وفق قواعد ديمقراطية واضحة. فالديمقراطية ليست مجرد عملية اقتراع دورية، بل منظومة متكاملة من الحقوق والضمانات والرقابة والمحاسبة واستقلال القضاء وحرية الإعلام.
إن العلمانية من دون ديمقراطية قد تتحول إلى دكتاتورية سلطوية تنتج الفساد الإداري والسياسي، كما أن الديمقراطية المقيدة بالطائفية تبقى عاجزة عن إنتاج دولة المواطنة. لذلك فإن مستقبل لبنان يقتضي الجمع بين الأمرين معاً: دولة مدنية تفصل بين الدين ومؤسسات الحكم، ونظام ديمقراطي فاعل يضمن التمثيل الصحيح والمساءلة وتداول السلطة.
بعد قرن من التجارب الفاشلة، لم يعد السؤال أي طائفة يجب أن تحكم لبنان، بل أي دولة يريد اللبنانيون أن يبنوا. دولة المحاصصة التي خبروا نتائجها، أم دولة المواطنة والقانون والكفاءة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل النظام السياسي، بل مصير لبنان نفسه في القرن القادم.
فمستقبل لبنان لن يُصنع عندما تنتصر طائفة على أخرى، بل عندما ينتصر مفهوم المواطنة على الانقسام، ومفهوم الدولة على المحاصصة، والكفاءة على الزبائنية، وسيادة القانون على سلطة الجماعات. عندها فقط يمكن للبنانيين أن يطووا صفحة قرن من التجارب الفاشلة، وأن يفتحوا صفحة جديدة عنوانها الدولة التي طال انتظارها.

