على وقع الهستيريا الميدانية وضغوط البيت الأبيض الهائلة لانتزاع تهدئة مستدامة، تتجه الأنظار عابرة الأطلسي صوب العاصمة الأميركية واشنطن، التي تستعد لاحتضان جولة جديدة وحاسمة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غير المباشرة بعد غدٍ الثلاثاء، والتي ستمتد على مدار ثلاثة أيام متواصلة (الأربعاء والخميس)، مكرسة للبحث في خطط الانسحاب والترتيبات الأمنية الحدودية الشائكة.
وفيما تُمارس واشنطن -بحسب ما كشفه مصدر سياسي متابع لصحيفة “نداء الوطن”- ضغوطاً هائلة على تل أبيب لإلزامها بإنهاء العمليات العسكرية، بالتوازي مع ضغوط محلية على حزب الله لوقف هجماته، يسعى الجانب اللبناني جاهداً للتخلص من عبء التدخلات الإيرانية، حيث تحاول طهران ربط مصير اتفاق السلام بالوضع الميداني في الجنوب لتبقي لبنان ورقة وصاية على طاولة تفاوضها الأميركي في سويسرا؛ بينما يصر الوفد اللبناني على تحضير أرضية صلبة لانتزاع تثبيت شامل ودائم لوقف إطلاق النار كقاعدة أساسية لا غنى عنها قبل الدخول في أي تفاصيل تقنية.
الجلسة الخامسة وعنوان “المناطق التجريبية”
وفي تفاصيل الأجندة المرتقبة، كشفت مصادر مطلعة لصحيفة “الديار” أن الجلسة التفاوضية الخامسة المقررة بعد غدٍ الثلاثاء ستُعقد تحت عنوان عريض وهو “المناطق التجريبية (النموذجية)”. وأكد مصدر رسمي لـ”الديار” أن وفداً لبنانياً رفيع المستوى يضم شقين سياسياً وعسكرياً سيشارك في اليوم الأول من هذه الجولة، كاشفاً أن رئيس الجمهورية اللبنانية أكد لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في اتصال هاتفي جرى بينهما أول من أمس، على الأولوية المطلقة لتثبيت وقف إطلاق النار؛ لأن البحث في أي خطوات ميدانية أخرى يعتمد كلياً على هذا الأمر.
وأسف المصدر الرسمي لـ”الديار” لفشل محاولتين لوقف النار سُجلتا أول من أمس (الأولى عند الرابعة بعد الظهر والثانية عند منتصف الليل)، لافتاً إلى أنه من دون التثبيت الفعلي للهدنة، من غير الممكن بحث أي ملف آخر. وأوضح المصدر أن الوفد العسكري اللبناني يمتلك الصلاحية لبحث الميكانيزمات الميدانية، ومنها خطط انسحابات ممرحلة لجيش الاحتلال وانتشار الجيش اللبناني في النقاط التي يتم إخلاؤها، مستدركاً بأن فكرة “المناطق النموذجية” والانسحاب منها لا تزال غير واضحة المعالم، مع إبداء الجيش اللبناني استعداداً تاماً للانتشار في أي منطقة تنسحب منها القوات الإسرائيلية، ولكن دون أي تنسيق أو تعاون مباشر معها.
وكانت “هيئة البث الإسرائيلية” قد مهدت لهذه الأجندة بإعلانها أمس السبت أن مفاوضات لبنان وإسرائيل القادمة في واشنطن ستحدد “مناطق تجريبية” جنوبي لبنان يتسلمها الجيش اللبناني، كاشفةً أن الجيش الإسرائيلي أجرى بالفعل دراسة عسكرية لوضع خطة انسحاب جزئي وممرحل من بعض النقاط في الجنوب.
هواجس المؤسسة العسكرية اللبنانية ورفض الشراكة الأمنية
وعلى مقلب التقييم العسكري اللبناني، يرى مصدر عسكري لبناني في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط”، أن موقف قيادة الجيش لا يندرج تحت خانة الرفض المطلق للفكرة، بل يتمحور حول جملة من الهواجس العميقة المتعلقة بآلية التنفيذ والضمانات المطلوبة. وشدد المصدر على أن “الأولوية تبقى لوقف الاعتداءات بشكل كامل على امتداد الأراضي اللبنانية، لا حصر المعالجة بمناطق محددة قد تتحول إلى استثناء ميداني بدل أن تكون قاعدة عامة”، مشيراً إلى أن الوفد العسكري اللبناني سيثير في واشنطن طلباً للحصول على توضيحات أميركية دقيقة حول مفهوم هذه المناطق، حدودها الجغرافية، وضعها القانوني، وآلية إدارتها.
وتكمن أبرز الإشكالات المحيطة بهذا الطرح -وفقاً لـ”الشرق الأوسط”- في خطورة تطبيق هذه الآلية قبل التوصل لوقف شامل لإطلاق النار، مما قد يضع عناصر الجيش اللبناني تحت وابل القصف المتقطع وفي مواجهة مخاطر أمنية جسيمة أثناء انتشارهم بين خطوط قتال لا تزال مشتعلة.
وعبّر المصدر العسكري اللبناني ذاته لـ”الشرق الأوسط” عن خشية المؤسسة العسكرية من أن تسعى إسرائيل عبر هذا الالتفاف إلى فرض نوع من “الشراكة غير المباشرة” في القرار الأمني جنوباً بعد انسحابها، وهو ما يعتبره الجيش مساساً خطيراً ومرفوضاً بالسيادة الوطنية. وجدد المصدر التأكيد على أن الجيش يرفض قاطعاً أي صيغة تتيح للاحتلال التأثير في تحركاته، متمسكاً بالآليات الرسمية المعتمدة حصراً عبر لجنة المراقبة والميكانيزم الدولي القائم لتنسيق تطبيق الاتفاقات، بعيداً عن أي تواصل أمني مباشر مع إسرائيل.
المخرج الأميركي الملغوم بالغموض والرفض الإيراني
سياسياً، تنظر الإدارة الأميركية إلى “المناطق التجريبية” باعتبارها المخرج الدبلوماسي الوحيد القادر على التوفيق بين مطلب تل أبيب بالحصول على ضمانات أمنية مشددة لحماية مستوطنات الشمال، وسعي الدولة اللبنانية لاستعادة سيادتها الكاملة على الجنوب.
وفي هذا الصدد، أشار مصدر وزاري لبناني لـ”الشرق الأوسط” إلى أن الجانب الأميركي يصرّ على هذا الطرح كونه المخرج الوحيد الذي يمكن أن يقبل به الجانب الإسرائيلي للبدء بالانسحاب، مستدركاً بوجود “غموض كثيف يكتنف طبيعة الوضع داخل تلك المناطق، وغياب جدول زمني واضح ومضمون يكفل انسحاب إسرائيل الكامل من بقية الأراضي التي لا تزال تحتلها”.
وختم المصدر الوزاري اللبناني قراءته لـ”الشرق الأوسط” بالإشارة إلى الأبعاد الجيوسياسية للملف؛ معتبراً أن القضية تبدو في ظاهرها تقنية وميدانية، لكنها تنطوي في جوهرها على أبعاد سياسية بالغة التعقيد، وترتبط مباشرة بالموقف الإيراني الرافض لهذا الطرح الأميركي؛ لافتاً إلى أنه “لو ارتبط الأمر بالمسار الأميركي – الإيراني في سويسرا لكانت هذه المهمة أكثر سهولة ولقدمت واشنطن توضيحات حاسمة بشأنها، ولكن ما دام الإيراني يرفض هذا المسار ويتمسك بأوراقه، فإن مهمة الوفد اللبناني في واشنطن تواجه بالتأكيد تعقيدات وضغوطاً بالغة الصعوبة”.

